فصل: فصل فيما يذكر من صفاته عليه السلام في الكتب المأثورة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 فصل فيما يذكر من صفاته عليه السلام في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين

قد أسلفنا طرفاً صالحاً من ذلك في البشارات قبل مولده، ونحن نذكر هنا غرراً من ذلك‏.‏

فقد روى البخاريّ والبيهقيّ واللفظ له من حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار قال‏:‏ لقيت عبد الله بن عمرو فقلت‏:‏ أخبرني عن صفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّوراة ‏؟‏

فقال‏:‏ أجل، والله إنه لموصوف في التَّوراة ببعض صفته في الفرقان‏:‏ يا أيها النَّبيّ إنَّا أرسلناك شاهداً، ومبشراً، ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتك المتوكل ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يدفع السَّيئة بالسَّيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، أن يقولوا‏:‏ لا إله إلا الله، وأفتح به أعينا عمياً، وآذاناً صمَّاً، وقلوباً غُلفاً‏.‏

قال عطاء بن يسار‏:‏ ثمَّ لقيت كعباً الحبر فسألته فما اختلف في حرف، إلا أنَّ كعباً قال‏:‏ أعيناً عموياً، وآذاناً صمومي، وقلوباً غلوفاً‏.‏

ورواه البخاريّ أيضاً عن عبد الله غير منسوب، قيل‏:‏ هو ابن رجاء، وقيل‏:‏ عبد الله بن صالح، وهو الأرجح، عن عبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون، عن هلال بن علي به‏.‏

قال البخاريّ‏:‏ وقال سعيد عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام‏:‏ كذا علَّقه البخاريّ‏.‏

وقد روى البيهقيّ من طريق يعقوب بن سفيان‏:‏ حدَّثنا أبو صالح - هو عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث - حدَّثني خالد بن يزيد عن سعيد ابن أبي هلال، عن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سلام أنه كان يقول‏:‏ إنَّا لنجد صفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّا أرسلناك شاهداً ومبشراً‏)‏‏)‏ أنت عبدي ورسولي، سمَّيته المتوكل ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة مثلها، ولكن يعفو ويغفر ويتجاوز، وليس أقبضه حتى يُقيم الملة العوجاء، بأن تشهد ‏(‏‏(‏أن لا إله إلا الله‏)‏‏)‏ يفتح به أعيناً عُمياً، وآذاناً صمَّاً، وقلوباً غُلفاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/69‏)‏

قال عطاء بن يسار‏:‏ وأخبرني اللَّيثي أنَّه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام‏.‏

وقد روي عن عبد الله بن سلام من وجه آخر‏:‏ فقال التّرمذيّ‏:‏ حدَّثنا زيد بن أخرم الطَّائيّ البصريّ، ثنا أبو قتيبة مسلم بن قتيبة، حدَّثني أبو مودود المدنيّ، ثنا عثمان الضحاك عن محمد بن يوسف، عن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ مكتوب في التَّوراة‏:‏ محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه‏.‏

فقال أبو مودود‏:‏ قد بقي في البيت موضع قبر‏.‏

ثم قال التّرمذيّ‏:‏ هذا حديث حسن، هكذا قال الضحاك، والمعروف الضحاك بن عثمان المدنيّ، وهكذا حكى شيخنا الحافظ المزيّ في كتابه ‏(‏الأطراف‏)‏، عن ابن عساكر أنه قال مثل قول التّرمذيّ ثم قال‏:‏ وهو شيخ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان، ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن اسمه عثمان، فقد روى هذا عن عبد الله بن سلام - وهو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن -، وعبد الله بن عمرو بن العاص وقد كان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين كان أصابهما يوم اليرموك، فكان يحدِّث منهما عن أهل الكتاب وعن كعب الأحبار، وكان بصيراً بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط وتحريف وتبديل، فكان يقولها بما فيها من غير نقد‏.‏

وربما أحسن بعض السَّلف بها الظَّن فنقلها عنه مسلمة، وفي ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملة كثيرة، لكن لا يتفطن لها كثير من النَّاس‏.‏

ثم ليعلم أن كثيراً من السَّلف يطلقون التَّوراة على كتب أهل الكتاب المتلوة عندهم، أو أعم من ذلك، كما أن لفظ القرآن يطلق على كتابنا خصوصاً ويراد به غيره، كما في الصَّحيح خفف على داود القرآن فكان يأمر بداوبه فتسرح فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، والله أعلم‏.‏

وقال البيهقيّ عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدَّثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن أم الدَّرداء قالت‏:‏ قلت لكعب الحبر‏:‏ كيف تجدون صفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّوراة ‏؟‏

قال‏:‏ نجده محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، وأعطي المفاتيح ليبصِّر الله به أعيناً عُمياً، ويسمع به آذاناً وُقراً، ويقيم به ألسناً مِعوجة، حتى تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه‏.‏

وبه عن يونس بن بكير، عن يونس ابن عمرو، عن العيزار بن حريث، عن عائشة أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مكتوب في الإنجيل‏:‏ لا فظٍّ، ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة مثلها بل يعفو ويصفح‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/70‏)‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا قيس البجليّ، حدَّثنا سلام بن مسكين عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ أوحى الله عز وجل إلى عيسى ابن مريم‏:‏ ‏(‏‏(‏جد في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع، يا ابن الطَّاهر البتول، إني خلقتك من غير فحل، وجعلتك آية للعالمين، فإياي فاعبد، وعليَّ فتوكَّل، فبين لأهل سوران أني أنا الحق القائم الذي لا أزول، صدِّقوا بالنَّبيّ العربي، صاحب الجمل والمدرعة، والعمامة، والنعلين، والهراوة، الجعد الرأس، الصَّلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدّين، الكثّ اللِّحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريحه المسك ينفخ منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذَّهب يجري في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب، ليس على صدره ولا بطنه شعر غيره، شثن الكفين والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما ينقلع من الصَّخر، وينحدر في صبب، ذو النسل القليل‏.‏

وروى الحافظ البيهقيّ بسنده عن وهب بن منبه اليمامي قال‏:‏ إنَّ الله - عز وجل - لما قرَّب موسى نجياً‏.‏

قال‏:‏ ربِّ إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للنَّاس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، فاجعلهم أمتي‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلك أمة أحمد‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ربِّ إني أجد في التَّوراة أمة هم خير الأمم الآخرون من الأمم، السَّابقون يوم القيامة فاجعلهم أمتي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلك أمة أحمد‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ يا رب إني أجد في التَّوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها، وكان من قبلهم يقرءون كتبهم نظراً ولا يحفظونها، فاجعلهم أمتي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلك أمة أحمد‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ربِّ إني أجد في التَّوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويقاتلون رؤوس الضَّلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذَّاب، فاجعلهم أمتي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلك أمة أحمد‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ربِّ إني أجد في التَّوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم، وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها ناراً فأكلتها، فإن لم تقبل لا تقربها النَّار، فاجعلهم أمتي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلك أمة أحمد‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ربِّ إني أجد في التَّوراة أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تُكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا همَّ أحدهم بحسنة ولم يعملها بها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فاجعلهم أمتي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلك أمة أحمد‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ربِّ إني أجد في التَّوراة أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلك أمة أحمد‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/71‏)‏

قال‏:‏ وذكر وهب بن منبه في قصة داود عليه السلام وما أوحي إليه في الزبور‏:‏ ‏(‏‏(‏يا داود إنَّه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد، صادقاً سيداً، لا أغضب عليه أبداً، ولا يغضبني أبداً، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، أمته مرحومة أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرُّسل، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرُّسل قبلهم، يا داود إني فضَّلت محمداً وأمته على الأمم كلها، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم‏:‏ لا آخذهم بالخطأ والنِّسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إن استغفروني منه غفرته لهم، وما قدَّموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم جعلته لهم أضعاف مضاعفة، ولهم في المدَّخر عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا‏:‏ إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، الصَّلاة والرَّحمة والهدى إلى جنات النَّعيم، فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلاً، وإما أن أصرف عنهم سوءاً، وإما أن أدَّخره لهم في الآخرة‏.‏

يا داود‏!‏ من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذَّب محمداً، أو كذَّب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صباً، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أُدخله في الدرك الأسفل من النَّار‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الحافظ البيهقيّ‏:‏ أخبرنا الشَّريف أبو الفتح العمريّ، ثنا عبد الرَّحمن ابن أبي شريح الهرويّ، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي، حدثني محمد بن عمر بن سعيد - يعني‏:‏ ابن محمد بن جبير بن مطعم - قال‏:‏ حدثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيها، عن أبيه قال‏:‏ سمعت أبي جبير ابن مطعم يقول‏:‏ لما بعث الله نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم وظهر أمره بمكة، خرجت إلى الشَّام فلما كنت ببصرى أتتنى جماعة من النَّصارى فقالوا لي‏:‏ أمن الحرام أنت ‏؟‏

قلت‏:‏ نعم‏!‏

قالوا‏:‏ فتعرف هذا الذي تنبَّأ فيكم ‏؟‏

قلت‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فأخذوا بيدي فأدخلوني ديراً لهم فيه تماثيل وصور‏.‏

فقالوا لي‏:‏ أنظر هل ترى صورة هذا النَّبيّ الذي بعث فيكم ‏؟‏

فنظرت، فلم أر صورته‏.‏

قلت‏:‏ لا أرى صورته، فأدخلوني ديراً أكبر من ذلك الدَّير فإذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدَّير‏.‏

فقالوا لي‏:‏ انظر هل ترى صورته‏.‏

فنظرت فإذا أنا بصفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصورته، وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته، وهو آخذ بعقب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقالوا لي‏:‏ هل ترى صفته ‏؟‏

قلت‏:‏ نعم‏!‏

قالوا‏:‏ هو هذا، وأشاروا إلى صفة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قلت‏:‏ اللهم نعم، أشهد أنه هو‏.‏

قالوا‏:‏ أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه ‏؟‏

قلت‏:‏ نعم‏!‏

قالوا‏:‏ نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/72‏)‏

ورواه البخاري في ‏(‏التاريخ‏)‏‏:‏ عن محمد - غير منسوب -، عن محمد بن عمر هذا، بإسناده فذكره مختصراً، وعنده فقالوا‏:‏ إنَّه لم يكن نبي إلا بعده نبي، إلا هذا النَّبيّ‏.‏

وقد ذكرنا في كتابنا ‏(‏التفسير‏)‏ عند قوله تعالى في سورة الأعراف‏:‏ ‏(‏‏(‏الذين يتَّبعون الرَّسول النَّبيّ الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التَّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر‏)‏‏)‏ الآية‏.‏

ذكرنا ما أورده البيهقيّ وغيره من طريق أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال‏:‏ بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل صاحب الرُّوم ندعوه إلى الإسلام، فذكر اجتماعهم به، وأنَّ عرفته تنغصت حين ذكروا الله - عز وجل - فأنزلهم في دار ضيافته، ثم استدعاهم بعد ثلاث، فدعا بشيء نحو الربعة العظيمة فيها بيوت صغار عليها أبواب وإذا فيها صور الأنبياء ممثلة في قطع من حرير من آدم إلى محمد - صلوات الله عليهم أجمعين -، فجعل يخرج لهم واحداً واحداً، ويخبرهم عنه، وأخرج لهم صورة آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم تعجَّل إخراج صورة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال‏:‏ ثم فتح باباً آخر فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال‏:‏ أتعرفون هذا ‏؟‏

قلنا‏:‏ نعم، محمد رسول الله‏.‏

قال‏:‏ وبكينا‏.‏

قال‏:‏ والله يعلم أنه قام قائماً، ثم جلس وقال‏:‏ والله إنَّه لهو ‏؟‏

قلنا‏:‏ نعم إنَّه لهو كما تنظر إليه‏.‏

فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال‏:‏ أما إنَّه كان آخر البيوت، ولكني عجَّلته لكم لأنظر ما عندكم، ثم ذكر تمام الحديث في إخراجه بقية صور الأنبياء، وتعريفه إياهما بهم‏.‏

وقال في آخره‏:‏ قلنا له‏:‏ من أين لك هذه الصّور‏؟‏ لأنا نعلم أنها ما على صورِّت عليه الأنبياء - عليهم السَّلام -، لأنَّا رأينا صورة نبينا - عليه السَّلام - مثله‏.‏

فقال‏:‏ إنَّ آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشَّمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشَّمس فدفعها إلى دانيال‏.‏

ثم قال‏:‏ أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وأني كنت عبداً لأشركم ملكة حتى أموت‏.‏

قال‏:‏ ثم أجازنا، فأحسن جائزتنا وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصّديق رضي الله عنه حدَّثناه بما رأينا، وما قال لنا، وما أجازنا‏.‏

قال‏:‏ فبكى أبو بكر فقال‏:‏ مسكين لو أراد الله به خيراً لفعل ثم قال‏:‏ أخبرنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلَّى الله عليه وسلَّم عندهم‏.‏

وقال الواقديّ‏:‏ حدَّثني علي بن عيسى الحكيمي عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال‏:‏ سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول‏:‏ أنا أنتظر نبياً من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدِّقه، وأشهد برسالته، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السَّلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك‏.‏

قلت‏:‏ هلم‏.‏

قال‏:‏ هو رجل ليس بالطَّويل ولا بالقصير، ولا بكثير الشَّعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قوم منها ويكرهون ما جاء به، حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من سأل من اليهود، والنَّصارى، والمجوس يقولون‏:‏ هذا الدِّين وذاك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون‏:‏ لم يبق نبي غيره‏.‏

قال عامر بن ربيعة‏:‏ فلما أسلمت أخبرت النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قول زيد بن عمرو بن نفيل، وإقرائه منه السَّلام، فردَّ عليه السَّلام، وترحم عليه وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد رأيته في الجنَّة يسحب ذيولاً‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 6/73‏)‏

 كتاب دلائل النّبوة

وهو معنوية وحسّية فمن المعنوية‏:‏ إنزال القرآن عليه، وهو أعظم المعجزات وأبهر الآيات، وأبين الحجج الواضحات لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدَّى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك مع توافر دواعي أعدائه على معارضته وفصاحتهم وبلاغتهم، ثمَّ تحدَّاهم بعشر سور منه فعجزوا، ثمَّ تنازل إلى التَّحدي بسورة من مثله فعجزوا عنه وهم يعلمون عجزهم، وتقصيرهم عن ذلك، وأن هذا ما لا سبيل لأحد إليه أبداً‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً‏}‏‏.‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 88‏]‏ وهذه الآية مكية‏.‏

وقال في سورة الطُّور وهي مكية‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ‏}‏ ‏[‏الطُّور‏:‏ 33-34‏]‏‏.‏

أي‏:‏ إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم، فأتوا بمثل ما جاء به فإنَّكم مثله‏.‏

وقال تعالى في سورة البقرة وهي مدنية - معيداً للتحديّ -‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 23 -24‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 13-14‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 37-39‏]‏‏.‏

فبيَّن تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثله، بل عن سورة منه وأنهم لا يستطيعون ذلك أبداً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/74‏)‏

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا‏}‏ أي‏:‏ فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل وهذا تحدٍّ ثان، وهو أنه لا يمكن معارضتهم له لا في الحال ولا في المآل، ومثل هذا التحديّ إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته ولا الإتيان بمثله، ولو كان متقوَّل من عند نفسه لخاف أن يعارض فيفنضح ويعود عليه نقيض ما قصده من متابعة النَّاس له، ومعلوم لكلِّ ذي لبّ أنَّ محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم من أعقل خلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر، فما كان ليقدم هذا الأمر إلا وهو عالم بأنَّه لا يمكن معارضته، وهكذا وقع فإنَّه من لدن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم -‏.‏

وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره، ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبداً فإنَّه كلام ربّ العالمين الذي لا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله فأنى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق ‏؟‏

وقول كفار قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله‏:‏ وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين‏.‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 31‏]‏ كذب منهم ودعوى باطلة بلا دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولو كانوا صادقين لأتوا بما يعارضه، بل هم يعلمون كذب أنفسهم كما يعلمون كذب أنفسهم في قولهم‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 5‏]‏‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 6‏]‏‏.‏

أي‏:‏ أنزله عالم الخفيَّات، ربّ الأرض والسَّموات، الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فإنَّه تعالى أوحى إلى عبده ورسوله النَّبيّ الأمي الذي كان لا يحسن الكتابة، ولا يدريها بالكلية، ولا يعلم شيئاً من علم الأوائل، وأخبار الماضين، فقص الله عليه خبر ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء، وهو في ذلك يفصل بين الحق والباطل الذي اختلفت في إيراده جملة الكتب المتقدمة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 49‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 99-101‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 48‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 48-52‏]‏‏.‏

فبيَّن تعالى أنَّ نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون وحكم ما هو كائن بين الناس على مثل هذا النَّبيّ الأمي وحده كان من الدَّلالة على صدقه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/75‏)‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 15 - 17‏]‏‏.‏

يقول لهم‏:‏ إني لا أطيق تبديل هذا من تلقاء نفسي، وإنما الله - عز وجل - هو الذي يمحو ما يشاء ويثبت، وأنا مبلغ عنه، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به، لأني نشأت بين أظهركم وأنتم تعلمون نسبي، وصدقي، وأمانتي، وأني لم أكذِّب على أحد منكم يوماً من الدَّهر، فكيف يسعني أن أكذب على الله - عز وجل - مالك الضّر والنَّفع الذي هو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه، ونسبة ما ليس منه إليه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 44-47‏]‏‏.‏

أي‏:‏ لو كذَّب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما استطاع أحد من أهل الأرض أن يحجزنا عنه ويمنعنا منه‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 93‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ‏}‏‏.‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 19‏]‏‏.‏

وهذا الكلام فيه الإخبار بأن الله شهيد على كل شيء، وأنه تعالى أعظم الشُّهداء، وهو مطَّلع عليَّ وعليكم فيما جئتكم به عنه، وتتضمن قوة الكلام قسماً به أنَّه قد أرسلني إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن، فمن بلغه منهم فهو نذير له كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 17‏]‏‏.‏

ففي هذا القرآن من الأخبار الصَّادقة عن الله وملائكته، وعرشه، ومخلوقاته العلوية والسفلية كالسَّموات والأرضين وما بينهما، وما فيهنَّ أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة القطعية المرشدة إلى العلم بذلك من جهة العقل الصَّحيح كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 89‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 43‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 27-28‏]‏‏.‏

وفي القرآن العظيم الإخبار عما مضى على الوجه الحق، وبرهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك شاهداً له مع كونه نزل على رجل أمي لا يعرف الكتابة، ولم يعان يوماً من الدَّهر شيئاً من علوم الأوائل ولا أخبار الماضين، فلم يفجأ النَّاس إلا بوحي إليه عما كان من الأخبار النَّافعة التي ينبغي أن تذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء، وما كان منهم من أمورهم معهم، وكيف نجَّى الله المؤمنين وأهلك الكافرين، بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها أبد الآبدين، ودهر الدَّاهرين، ففي مكان تقص القصة موجزة في غاية البيان والفصاحة، وتارة تبسط فلا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السِّياق، حتى كأن التالي أو السَّامع مشاهد لما كان حاضر له، معاين للخبر بنفسه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 46‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 44‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/76‏)‏

وقال تعالى في سورة يوسف‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ‏}‏ إلى أن قال في آخرها‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 102-111‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 133‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏ ‏[‏فصِّلت‏:‏ 52-53‏]‏‏.‏

وعد تعالى أنَّه سيظهر الآيات القرآن وصدقه، وصدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدَّالة على صدق هذا الكتاب، وفي نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم حتى يستيقنوا أنه منزل من عند الله على لسان الصَّادق، ثمَّ أرشد إلى دليل مستقل بقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ‏}‏ ‏[‏فصِّلت‏:‏ 53‏]‏‏.‏

أي‏:‏ في العلم بأن الله يطلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه، إذ لو كان مفترياً عليه لعاجله بالعقوبة البليغة كما تقدَّم بيان ذلك‏.‏

وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء، وكذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا ‏(‏التفسير‏)‏، وما سنذكره من الملاحم والفتن كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ ‏[‏المزَّمل‏:‏ 20‏]‏ وهذه السُّورة من أوائل ما نزل بمكة‏.‏

وكذلك قوله تعالى في سورة اقتربت وهي مكية بلا خلاف‏:‏ ‏{‏سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 45-46‏]‏‏.‏

وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك، إلى أمثال هذا من الأمور البينة الواضحة، وسيأتي فصل فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده عليه السلام طبق ما أخبر به، وفي القرآن الأحكام العادلة أمراً ونهياً، المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم والعقل الصَّحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيَّات، الرَّحيم بعباده الذي يعاملهم بلطفه ورحمته وإحسانه‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 115‏]‏‏.‏

أي‏:‏ صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ‏}‏‏.‏ ‏[‏هود‏:‏ 1‏]‏‏.‏

أي‏:‏ أحكمت ألفاظه، وفصِّلت معانيه‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 28‏]‏‏.‏

أي‏:‏ العلم النَّافع، والعمل الصَّالح، وهكذا روي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنَّه قال لكميل بن زياد‏:‏ هو كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما بينكم، ونبأ ما بعدكم‏.‏

وقد بسطنا هذا كله في كتابنا ‏(‏التفسير‏)‏، بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/77‏)‏

فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة‏:‏ من فصاحته، وبلاغته، ونظمه، وتراكيبه، وأساليبه، وما تضمنه من الأخبار الماضية والمستقبلة، وما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية، والتَّحدي ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب، والتحدي بما اشتمل عليه من المعاني الصَّحيحة الكاملة - وهي أعظم في التَّحدي عند كثير من العلماء - يعم جميع أهل الأرض من الملتين، أهل الكتاب، وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط، وغيرهم من أصناف بني آدم في سائر الأقطار والأمصار‏.‏

وأما من زعم من المتكلمين أن الإعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك، أو هو سلب قدرتهم على ذلك، فقول باطل، وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق، خلقه الله في بعض الأجرام، ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق، وقولهم هذا كفر وباطل، وليس مطابقاً لما في نفس الأمر، بل القرآن كلام الله غير مخلوق، تكلَّم به كما شاء تعالى، وتقدَّس وتنزَّه عما يقولون علواً كبيراً، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الأمر عن الإتيان بمثله، وتنزه عما يقولون علواً كبيراً، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الأمر عن الإتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك، بل لا تقدر الرُّسل الذين هم أفصح الخلق، وأعظم الخلق وأكملهم أن يتكلموا بمثل كلام الله، وهذا القرآن الذي يبلغه الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم عن الله، أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأساليب كلامه عليه السلام المحفوظة عنه بالسَّند الصَّحيح إليه لا يقدر أحد من الصَّحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل أساليبه في فصاحته وبلاغته، فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشَّريفة، بل وأسلوب كلام الصَّحابة أعلى من أساليب كلام التَّابعين، وهلمَّ جراً إلى زماننا، و علماء السَّلف أفصح وأعلم وأقلّ تكلفاً فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف، وهذا يشهده من له ذوق بكلام النَّاس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية، وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك‏.‏

ولهذا جاء الحديث الثَّابت في هذا المعنى، وهو فيما رواه الإمام أحمد قائلاً‏:‏ حدَّثنا حجاج، ثنا ليث، حدَّثني سعيد ابن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏

‏(‏‏(‏ما من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏

وقد أخرجه البخاريّ، ومسلم من حديث اللَّيث بن سعد به‏.‏

ومعنى هذا أنَّ الأنبياء - عليهم السَّلام - كل منهم قد أوتي من الحجج والدَّلائل على صدقه، وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية، وحجة لقومه الذين بعث إليهم سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم، أو جحدوا فاستحقوا العقوبة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏(‏‏(‏وإنما كان الذي أوتيت‏)‏‏)‏ أي‏:‏ جلَّه، وأعظمه الوحي الذي أوحاه إليه وهو القرآن الحجَّة المستمرة الدَّائمة القائمة في زمانه وبعده، فإنَّ البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، وأما القرآن فهو حجَّة قائمة كأنما يسمعه السَّامع من فيّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فحجة الله قائمة به في حياته عليه السلام وبعد وفاته ولهذا قال‏:‏

‏(‏‏(‏فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة‏)‏‏)‏ أي‏:‏ لاستمرار ما آتاني الله من الحجَّة البالغة، والبراهين الدَّامغة، فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الأنبياء تبعاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/78‏)‏

فصل وإنَّك لعلى خلق عظيم‏.‏

ومن الدَّلائل المعنوية‏:‏ أخلاقه عليه السلام الطَّاهرة، وخلقه الكامل، وشجاعته، وحلمه، وكرمه، وزهده، وقناعته، وإيثاره، وجميل صحبته، وصدقه، وأمانته، وتقواه، وعبادته، وكرم أصله، وطيب مولده، ومنشئه، ومرباه، كما قدمناه مبسوطاً في مواضعه، وما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العبَّاس ابن تيمية رحمه الله في كتابه الذي ردَّ فيه على فرق النَّصارى واليهود، وما أشبههم من أهل الكتاب وغيرهم، فإنَّه ذكر في آخره دلائل النبوة، وسلك فيها مسالك حسنة صحيحة، منتجة بكلام بليغ، يخضع له كل من تأمَّله وفهمه‏.‏

قال في آخر هذا الكتاب المذكور‏:‏

 فصل دلائل نبوته من خلال سيرته وأخلاقه‏.‏

وسيرة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وأخلاقه، وأقواله، وأفعاله من آياته أي‏:‏ من دلائل نبوته‏.‏

قال‏:‏ وشريعته من آياته، وأمته من آياته، وعلم أمته من آياته، ودينهم من آياته، وكرامات صالحي أمته من آياته، وذلك يظهر بتدبُّر سيرته من حين ولد إلى أن بعث، ومن حين بعث إلى أن مات، وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله، فإنَّه كان من أشرف أهل الأرض نسباً من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبُّوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته، وجعل الله له ابنين إسماعيل وإسحاق، وذكر في التَّوراة هذا وهذا، وبشَّر في التَّوراة بما يكون من ولد إسماعيل، ولم يكن من ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشَّرت به النبوات غيره، ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث الله فيهم رسولاً منهم‏.‏

ثم الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم من قريش صفوة بني إبراهيم، ثم من بني هاشم صفوة قريش، ومن مكة أم القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم ودعا للنَّاس إلى حجه، ولم يزل محجوجاً من عهد إبراهيم مذكوراً في كتب الأنبياء بأحسن وصف، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم من أكمل النَّاس تربيةً ونشأةً، لم يزل معروفاً بالصِّدق، والبرِّ، ومكارم الأخلاق، والعدل، وترك الفواحش والظُّلم، وكل وصف مذموم، مشهوداً له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبُّوة، ومن آمن به ومن كفر بعد النبُّوة، ولا يعرف له شيء يعاب به لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في أخلاقه، ولا جرب عليه كذبة قط، ولا ظلم ولا فاحشة، وقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم خلقه وصورته من أحسن الصُّور وأتمها، وأجمعها للمحاسن الدَّالة على كماله، وكان أميَّاً من قوم أميين لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب من التَّوراة والإنجيل، ولم يقرأ شيئاً من علوم النَّاس، ولا جالس أهلها، ولم يدَّعِ النبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة، فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله، ثم اتبعه أتباع الأنبياء وهم ضعفاء النَّاس، وكذَّبه أهل الرِّياسة وعادوه وسعوا في هلاكه، وهلاك من اتبعه بكل طريق، كما كان الكفَّار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/79‏)‏

والذين اتَّبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة، فإنَّه لم يكن عنده مال يعطيهم، ولا جهات يولِّيهم إياها، ولا كان له سيف بل كان السَّيف والجَّاه والمال مع أعدائه، وقد آذوا أتباعه أنواع الأذى، وهم صابرون محتسبون لا يرتدُّون عن دينهم لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان، والمعرفة، وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب، فيخرج إليها يبلِّغهم الرِّسالة، ويدعوهم إلى الله صابراً على ما يلقاه من تكذيب المكذّب، وجفاء الجَّافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود وقد سمعوا أخباره منهم، وعرفوه، فلما دعاهم علموا أنه النَّبيّ المنتظر الذي يخبرهم به اليهود، وكانوا سمعوا من أخباره أيضاً ما عرفوا به مكانته، فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة، فآمنوا به، وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم وعلى الجِّهاد معه، فهاجر هو ومن اتَّبعه إلى المدينة، وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية، ولا برهبة إلا قليلاً من الأنصار أسلموا في الظَّاهر، ثم حسن إسلام بعضهم، ثم أذن له في الجِّهاد، ثم أمر به، ولم يزل قائماً بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء، لا يحفظ له كذبة واحدة، ولا ظلم لأحد، ولا غدر بأحد، بل كان أصدق النَّاس وأعدلهم، وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال من حرب وسلم، وأمن وخوف، وغنى وفقر، وقدرة وعجز، وتمكن وضعف، وقلَّة وكثرة، وظهور على العدو تارةً، وظهور العدو تارةً، وهو على ذلك كله لازم لأكمل الطُّرق وأتمها، حتى ظهرت الدَّعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان، ومن أخبار الكهَّان، وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق، وسفك الدِّماء المحرمة، وقطيعة الأرحام لا يعرفون آخرة ولا معاداً، فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم‏.‏

حتى أن النَّصارى لما رأوهم حين قدموا الشَّام قالوا‏:‏ ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء‏.‏

وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض، وآثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين، وهو صلَّى الله عليه وسلَّم مع ظهور أمره وطاعة الخلق له وتقديمهم له على الأنفس والأموال مات ولم يخلِّف درهماً، ولا ديناراً، ولا شاةً، ولا بعيراً، إلا بغلته وسلاحه، ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير ابتاعها لأهله، وكان بيده عقار ينفق منه على أهله، والباقي يصرفه في مصالح المسلمين، فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته شيئاً من ذلك، وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه، ويخبرهم بما كان وما يكون، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطَّيبات ويحرِّم عليهم الخبائث، ويشرع الشَّريعة شيئاً بعد شيء، حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به، وجاءت شريعته أكمل شريعة لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف إلا أمر به، ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه، لم يأمر بشيء فقيل‏:‏ ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقيل‏:‏ ليته لم ينه عنه، وأحلَّ لهم الطَّيبات لم يحرم منها شيئاً، كما حرِّم في شريعة غيره، وحرَّم الخبائث لم يحل منها شيئاً كما استحل غيره، وجمع محاسن ما عليه الأمم فلا يذكر في التَّوراة والإنجيل والزَّبور نوع من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر، إلا وقد جاء به على أكمل وجه، وأخبر بأشياء ليست في الكتب، وليس في الكتب إيجاب لعدل، وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل، وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه، وإذا نظر اللَّبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الأمم ظهر له فضلها ورجحانها، وكذلك في الحدود والأحكام، وسائر الشَّرائع‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/80‏)‏

وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة، وإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم‏.‏

وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله، وصبرهم على المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهاداً وأشجع قلوباً‏.‏

وإذا قيس سخاؤهم وبرهم وسماحة أنفسهم بغيرهم ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم‏.‏

وهذه الفضائل به نالوها، ومنه تعلَّموها، وهو الذي أمرهم بها لم يكونوا قبل متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح بتكميل شريعة التَّوراة، فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التَّوراة، وبعضها من الزَّبور، وبعضها من النبوات، وبعضها من المسيح، وبعضها ممن بعده من الحوَّاريين، ومن بعض الحواريين، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم، حتى أدخلوا - لما غيروا من دين المسيح - في دين المسيح أموراً من أمور الكفَّار المناقضة لدين المسيح‏.‏

وأمَّا أمة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم فلم يكونوا قبله يقرؤن كتاباً، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود، والتَّوراة والإنجيل والزَّبور إلا من جهته، وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء، ويقرُّوا بجميع الكتب المنزلة من عند الله، ونهاهم عن أن يفرِّقوا بين أحد من الرُّسل فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به‏:‏ ‏{‏قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 136-137‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285-286‏]‏‏.‏

وأمته عليه السلام لا يستحلُّون أن يوجدوا شيئاً من الدِّين غير ما جاء به، ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يشرعون من الدِّين ما لم يأذن به الله، لكن ما قصَّه عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم اعتبروا به، وما حدَّثهم أهل الكتاب موافقاً لما عندهم صدَّقوه، ومالم يعلم صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه، وما عرفوا بأنَّه باطل كذَّبوه، ومن أدخل في الدِّين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان، أو غيرهم كان عندهم من أهل الإلحاد والابتداع، وهذا هو الدِّين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والتَّابعون، وهو الذي عليه أئمة الدِّين الذين لهم في الأمة لسان صدق، وعليه جماعة المسلمين وعامتهم، ومن خرج عن ذلك كان مذموماً مدحوراً عند الجماعة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/81‏)‏

وهو مذهب أهل السّنة والجماعة الظَّاهرين إلى قيام السَّاعة الذين قال فيهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرُّهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى تقوم السَّاعة‏)‏‏)‏‏.‏

وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو دين الرُّسل عموماً ودين محمد صلَّى الله عليه وسلَّم خصوصاً، ومن خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحداً مذموماً، ليسوا كالنَّصارى الذين ابتدعوا ديناً ما قام به أكابر علمائهم وعبَّادهم، وقاتل عليه ملوكهم ودان به جمهورهم، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح، ولا دين غيره من الأنبياء، والله سبحانه أرسل رسله بالعلم النَّافع والعمل الصَّالح، فمن اتبع الرُّسل له سعادة الدُّنيا والآخرة، وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علماً وعملاً، ولما بعث الله محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم بالهدى ودين الحق تلقَّى ذلك عنه المسلمون من أمته، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمَّد أخذوه عن نبيهم، كما ظهر لكل عاقل أنَّ أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل العلمية والعملية، ومعلوم أنَّ كل كمال في الفرع المتعلّم هو في الأصل المعلّم، وهذا يقتضي أنه عليه السلام كان أكمل النَّاس علماً وديناً، وهذه الأمور توجب العلم الضَّروري بأنه كان صادقاً في قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏إني رسول الله إليكم جميعاً‏)‏‏)‏ لم يكن كاذباً مفترياً، فإنَّ هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار النَّاس وأكملهم إن كان صادقاً، أو من هو من أشر النَّاس وأخبثهم إن كان كاذباً، وما ذكر من كمال علمه ودينة يناقض الشر والخبث والجهل‏.‏

فتعيَّن أنه متصف بغاية الكمال في العلم، والدِّين، وهذا يستلزم أنه كان صادقاً في قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏إني رسول الله إليكم جمعياً‏)‏‏)‏ لأنَّ الذي لم يكن صادقاً إمَّا أن يكون متعمداً للكذب، أو مخطئاً‏.‏

والأوَّل يوجب أنَّه كان ظالماً غاوياً‏.‏

والثَّاني يقتضي أنَّه كان جاهلاً ضالاً‏.‏

ومحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم كان علمه ينافي جهله، وكمال دينه ينافي تعمُّد الكذب، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنَّه لم يكن يتعمَّد الكذب، ولم يكن جاهلاً يكذب بلا علم، وإذا انتفى هذا وذاك، تعين أنَّه كان صادقاً عالماً بأنَّه صادق، ولهذا نزهه الله عن هذين الأمرين بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى‏}‏ ‏[‏النَّجم‏:‏ 1-4‏]‏‏.‏

وقال تعالى عن الملك الذي جاء به‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 19-21‏]‏‏.‏

ثمَّ قال عنه‏:‏ ‏{‏وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏التَّكوير‏:‏ 22-27‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏الشُّعراء‏:‏ 192-223‏]‏‏.‏

بيَّن سبحانه أنَّ الشَّيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه، فإنَّ الشَّيطان يقصد الشَّر وهو الكذب والفجور، ولا يقصد الصِّدق والعدل، فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إمَّا عمداً وإمَّا خطأ وفجوراً أيضاً، فإنَّ الخطأ في الدِّين هو من الشَّيطان أيضاً‏.‏

كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة‏:‏ أقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشَّيطان، والله ورسوله بريئان منه‏.‏

فإنَّ رسول الله بريء من تنزل الشَّياطين عليه في العمد والخطأ، بخلاف غير الرَّسول فإنَّه قد يخطئ ويكون خطؤه من الشَّيطان، وإن كان خطؤه مغفوراً له، فإذا لم يعرف له خبراً أخبر به كان فيه مخطئاً، ولا أمراً أمر به كان فيه فاجراً، علم أن الشَّيطان لم ينزل عليه، وإنما ينزل عليه ملك كريم، ولهذا قال في الآية الأخرى عن النَّبيّ‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الحاقَّة‏:‏ 40 -43‏]‏‏.‏

انتهى ما ذكره، وهذا عين ما أورده بحروفه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/82‏)‏

 باب دلائل النُّبوة الحسية

ومن أعظم ذلك كلّه انشقاق القمر المنير فرقتين قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 1-5‏]‏‏.‏

وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أنَّ انشقاق القمر كان في عهد رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم -، وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة‏.‏

رواية أنس بن مالك‏:‏ قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن قتادة، عن أنس قال‏:‏ سأل أهل مكة النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم آية، فانشق القمر بمكة فرقتين فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اقتربت السَّاعة وانشقَّ القمر‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق‏.‏

وقال البخاري‏:‏ حدَّثني عبد الله بن عبد الوهاب، ثنا بشر بن المفضل، ثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة، عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقَّين حتى رأوا حراء بينهما‏.‏

وأخرجاه في الصَّحيحين من حديث شيبان عن قتادة‏.‏

ومسلم من حديث شعبة عن قتادة‏.‏

رواية جبير بن مطعم‏:‏

قال أحمد‏:‏ حدَّثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرَّحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال‏:‏ انشق القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل‏.‏

فقالوا‏:‏ سحرنا محمَّد‏.‏

فقالوا‏:‏ إن كان سحرنا فإنَّه لا يستطيع أن يسحر النَّاس، تفرَّد به أحمد‏.‏

ورواية ابن جرير، والبيهقيّ من طرق عن حصين بن عبد الرَّحمن به‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/83‏)‏

رواية حذيفة بن اليمان‏:‏

قال أبو جعفر بن جرير‏:‏ حدَّثني يعقوب، حدَّثني ابن علية، أنَّا عطاء بن السَّائب عن أبي عبد الرَّحمن السَّلميّ قال‏:‏ نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة فحضر أبي، وحضرت معه، فخطبنا حذيفة فقال‏:‏ إنَّ الله تعالى يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اقتربت السَّاعة وانشقَّ القمر‏)‏‏)‏ ألا وإنَّ السَّاعة قد اقتربت، ألا وإنَّ القمر قد انشقّ، ألا وإن الدُّنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغداً السِّباق‏.‏

فقلت لأبي‏:‏ أتستبق النَّاس غداً ‏؟‏

فقال‏:‏ يا بني إنَّك لجاهل إنما هو السِّباق بالأعمال‏.‏

ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرها، فخطب حذيفة فقال‏:‏ ألا إن الله يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏اقتربت السَّاعة وانشقَّ القمر‏)‏‏)‏ ألا وإنَّ الدُّنيا قد آذنت بفراق‏.‏

ورواه أبو زرعة الرَّازيّ في كتاب ‏(‏دلائل النبوة‏)‏ من غير وجه عن عطاء بن السَّائب، عن أبي عبد الرَّحمن، عن حذيفة، فذكر نحوه وقال‏:‏ ألا وإنَّ القمر قد انشقّ على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ألا وإنَّ اليوم المضمار وغداً السِّباق، ألا وإنَّ الغاية النَّار، والسابق من سبق إلى الجنَّة‏.‏

رواية عبد الله بن عبَّاس‏:‏

قال البخاريّ‏:‏ ثنا يحيى بن بكير، ثنا بكر عن جعفر، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ انشقَّ القمر في زمان النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

ورواه البخاريّ أيضاً، ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة به‏.‏

طريق أخرى عنه‏:‏ قال ابن جرير‏:‏ ثنا ابن مثنى، ثنا عبد الأعلى، ثنا داود ابن أبي هند، عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏اقتربت السَّاعة وانشقَّ القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر‏)‏‏)‏

قال‏:‏ قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشقَّ القمر حتى رأوا شقيه‏.‏

وروى العوفيّ عن ابن عبَّاس نحواً من هذا، وقد روى من وجه آخر عن ابن عبَّاس فقال أبو القاسم الطَّبرانيّ‏:‏ ثنا أحمد بن عمرو البزَّار، ثنا محمد بن يحيى القطيعيّ، ثنا محمد بن بكير، ثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ كُسف القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقالوا‏:‏ سحر القمر فنزلت‏:‏ ‏(‏‏(‏اقتربت السَّاعة وانشقَّ القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا سياق غريب، وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف، فيدل على أنَّ انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/84‏)‏

رواية عبد الله بن عمر بن الخطَّاب‏:‏

قال الحافظ أبو بكر البيهقيّ‏:‏ أنَّا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا‏:‏ ثنا أبو العبَّاس الأصمّ، ثنا العبَّاس بن محمد الدوريّ، ثنا وهب بن جرير عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب في قوله‏:‏ ‏(‏‏(‏اقتربت السَّاعة وانشقَّ القمر‏)‏‏)‏ قال‏:‏ وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اشهد‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا رواه مسلم، والتّرمذيّ من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، قال مسلم‏:‏ كرواية مجاهد عن أبي معمر، عن ابن مسعود‏.‏

وقال التّرمذيّ‏:‏ حسن صحيح‏.‏

رواية عبد الله بن مسعود‏:‏

قال الإمام أحمد‏:‏ ثنا سفيان عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال‏:‏ انشقَّ القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم شقتين حتى نظروا إليه‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اشهدوا‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه البخاريّ ومسلم من حديث سفيان بن عيينة‏.‏

وأخرجاه من حديث الأعمش عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود به‏.‏

قال البخاري‏:‏ وقال أبو الضُّحى‏:‏ عن مسروق، عن عبد الله بمكة‏.‏

وهذا الذي علقه البخاريّ قد أسنده أبو داود الطَّيالسيّ في مسنده فقال‏:‏ حدَّثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضُّحى، عن مسروق بن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ انشقَّ القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقالت قريش‏:‏ هذا سحر ابن أبي كبشة‏.‏

قال‏:‏ فقالوا‏:‏ انظروا ما يأتينا به السُّفار فإنَّ محمَّداً لا يستطيع أن يسحر النَّاس كلَّهم‏.‏

قال‏:‏ فجاء السُّفار فقالوا ذلك‏.‏

وروى البيهقيّ عن الحاكم، عن الأصمّ، عن ابن عبَّاس الدوريّ، عن سعيد بن سليمان، عن هشيم، عن مغيرة، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عبد الله قال‏:‏ انشقَّ القمر بمكة حتى صار فرقتين‏.‏

فقالت كفَّار قريش أهل مكة‏:‏ هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا المسافرين فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به‏.‏

قال‏:‏ فسئل السُّفار - وقدموا من كل وجه -‏.‏

فقالوا‏:‏ رأيناه‏.‏

ورواه ابن جرير من حديث المغيرة، وزاد فأنزل الله‏:‏ ‏(‏‏(‏اقتربت السَّاعة وانشقَّ القمر‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/85‏)‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا مؤمل عن إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال‏:‏ انشقَّ القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى رأيت الجبل بين فرقتي القمر‏.‏

وروى ابن جرير عن يعقوب الدوريّ، عن ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين قال‏:‏ نبئت أنَّ ابن مسعود كان يقول‏:‏ لقد انشقَّ القمر‏.‏

ففي صحيح البخاريّ عن ابن مسعود أنه كان يقول‏:‏ خمس قد مضين‏:‏ الرُّوم، واللزام، والبطشة، والدُّخان، والقمر، في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة الدُّخان‏.‏

وقال أبو زرعة في ‏(‏الدَّلائل‏)‏‏:‏ حدَّثنا عبد الرَّحمن بن إبراهيم الدِّمشقيّ، حدَّثنا الوليد عن الأوزاعيّ، عن ابن بكير قال‏:‏ انشقَّ القمر بمكة والنَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قبل الهجرة فخرَّ شقتين‏.‏

فقال المشركون‏:‏ سحره ابن أبي كبشة‏.‏

وهذا مرسل من هذا الوجه، فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصَّحابة، وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز، وما يذكره بعض القصَّاص من أنَّ القمر دخل في جيب النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخرج من كمه، ونحو هذا الكلام فليس له أصل يعتمد عليه، والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السَّماء، بل انفرق باثنتين وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء، والأخرى من الناحية الأخرى وصار الجبل بينهما، وكلتا الفرقتين في السَّماء، وأهل مكة ينظرون إلى ذلك، وظن كثير من جهلتهم أن هذا شيء سُحرت به أبصارهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين، فأخبروهم بنظير ما شاهدوه، فعلموا صحَّة ذلك وتيقنوه‏.‏

فإن قيل‏:‏ فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الأرض ‏؟‏

فالجواب‏:‏ ومن ينفي ذلك، ولكن تطاول العهد والكفرة يجحدون بآيات الله، ولعلهم لما أخبروا أنَّ هذا كان آية لهذا النَّبيّ المبعوث تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلاً بالهند مكتوباً عليه‏:‏ أنه بني في الليلة التي انشق القمر فيها، ثم لما كان انشقاق القمر ليلاً قد يخفى أمره على كثير من النَّاس لأمور مانعة من مشاهدته في تلك السَّاعة من غيوم متراكمة كانت تلك اللَّيلة في بلدانهم، ولنوم كثير منهم، أو لعله كان في أثناء اللَّيل حيث ينام كثير من النَّاس، وغير ذلك من الأمور، والله أعلم‏.‏

وقد حررنا هذا فيما تقدَّم في كتابنا ‏(‏التفسير‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/86‏)‏

فأما حديث ردّ الشَّمس بعد مغيبها، فقد أنبأني شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظفر بن تاج الأمناء بن عساكر إذناً و قال‏:‏ أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسابة قال‏:‏ أخبرنا أبو المظفر ابن القشيريّ، وأبو القاسم المستملي قالا‏:‏ ثنا أبو عثمان المحبر، أنَّا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الدبابعاني بها، أنَّا محمد بن أحمد بن محبوب‏.‏

وفي حديث ابن القشيريّ‏:‏ ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا سعيد بن مسعود‏.‏

ح قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر‏:‏ وأنَّا أبو الفتح الماهاني، أنَّا شجاع بن علي، أنَّا أبو عبد الله ابن منده، أنَّا عثمان بن أحمد الننسي، أنَّا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال‏:‏ حدَّثنا عبيد الله بن موسى، ثنا فضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن، زاد أبو أمية بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس قالت‏:‏ كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت الشَّمس‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ صليت العصر ‏؟‏

وقال أبو أمية‏:‏ صليت يا علي ‏؟‏

قال‏:‏ لا‏.‏

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال أبو أمية‏:‏ فقال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم إنَّه كان في طاعتك وطاعة نبيك‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو أمية‏:‏ رسولك، فاردد عليه الشَّمس‏.‏

قالت أسماء‏:‏ فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت‏.‏

وقد رواه الشَّيخ أبو الفرج ابن الجوزيّ في الموضوعات، من طريق أبي عبد الله بن منده، كما تقدم‏.‏

ومن طريق أبي جعفر العقيلي‏:‏ ثنا أحمد بن داود، ثنا عمار بن مطر، ثنا فضيل بن مرزوق فذكره ثم قال‏:‏ وهذا حديث موضوع، وقد اضطرب الرُّواة فيه، فرواه سعيد بن مسعود عن عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار، عن علي بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء، وهذا تخليط في الرِّواية‏.‏

قال‏:‏ وأحمد بن داود ليس بشيء‏.‏

قال الدَّارقطني‏:‏ متروك كذاب‏.‏

وقال ابن حبان‏:‏ كان يضع الحديث‏.‏

وعمار بن مطر قال فيه العقيلي‏:‏ كان يحدث عن الثِّقات بالمناكير‏.‏

وقال ابن عدي‏:‏ متروك الحديث‏.‏

قال‏:‏ وفضيل بن مرزوق قد ضعَّفه يحيى‏.‏

قال ابن حبان‏:‏ يروي الموضوعات، ويخطئ عن الثِّقات، وبه قال الحافظ ابن عساكر‏.‏

قال‏:‏ وأخبرنا أبو محمد عن طاوس، أنَّا عاصم بن الحسن، أنَّا أبو عمرو ابن مهدي، أنَّا أبو العبَّاس ابن عقدة، ثنا أحمد بن يحيى الصُّوفي، حدَّثنا عبد الرَّحمن بن شريك، حدَّثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير قال‏:‏ دخلت على فاطمة بنت علي فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يديها مسكيتن غليظتين، - وهي عجوز كبيرة -‏.‏

فقلت لها‏:‏ ما هذا ‏؟‏

فقالت‏:‏ إنَّه يكره للمرأة أن تتشبه بالرِّجال، ثم حدَّثتني أنَّ أسماء بنت عميس حدَّثتها أنَّ علي ابن أبي طالب دفع إلى النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقد أوحي إليه، فجلَّله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشَّمس - يقول‏:‏ غابت، أو كادت أن تغيب - ثم إنَّ نبي الله صلَّى الله عليه وسلَّم سري عنه فقال‏:‏ أصليت يا علي ‏؟‏

قال‏:‏ لا‏.‏

فقال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم رُدَّ على عليّ الشَّمس‏)‏‏)‏ فرجعت حتى بلغت نصف المسجد‏.‏

قال عبد الرَّحمن‏:‏ وقال أبي‏:‏ حدَّثني موسى الجهني نحوه‏.‏

ثم قال الحافظ ابن عساكر‏:‏ هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجاهيل‏.‏

وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي‏:‏ في الموضوعات‏.‏

وقد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة فذكره ثم قال‏:‏ وهذا باطل، والمتهم به ابن عقدة، فإنَّه كان رافضياً يحدِّث بمثالب الصَّحابة‏.‏

قال الخطيب‏:‏ ثنا علي بن محمد بن نصر سمعت حمزة بن يوسف يقول‏:‏ كان ابن عقدة بجامع براثا يملي مثالب الصَّحابة، أو قال‏:‏ الشَّيخين فتركته‏.‏

وقال الدَّارقطني‏:‏ كان ابن عقدة رجل سوء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/87‏)‏

وقال ابن عدي‏:‏ سمعت أبا بكر ابن أبي غالب يقول‏:‏ ابن عقدة لا يتدين بالحديث لأنه كان يحمل شيوخاً بالكوفة على الكذب، فيسوي لهم نسخاً ويأمرهم أن يرووها، وقد بيَّنا كذبه من عند شيخ بالكوفة‏.‏

وقال الحافظ أبو بشر الدولابيّ في كتابه ‏(‏الذرية الطَّاهرة‏)‏‏:‏ حدَّثنا إسحاق بن يونس، ثنا سويد بن سعيد، ثنا المطلب بن زياد عن إبراهيم بن حبان، عن عبد الله بن حسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن الحسين قال‏:‏ كان رأس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حِجر علي وهو يوحى إليه، فذكر الحديث بنحو ما تقدم‏.‏

إبراهيم ابن حبان هذا تركه الدَّارقطنيّ وغيره‏.‏

وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ‏:‏ هذا الحديث موضوع‏.‏

قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي‏:‏ وصدق ابن ناصر‏.‏

وقال ابن الجوزي‏:‏ وقد رواه ابن مردويه من طريق حديث داود بن واهج عن أبي هريرة قال‏:‏ نام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورأسه في حِجر علي ولم يكن صلَّى العصر حتى غربت الشَّمس، فلما قام رسول الله دعا له فرُدَّت عليه الشَّمس حتى صلَّى، ثم غابت ثانية‏.‏

ثم قال‏:‏ وداود ضعفه شعبة‏.‏

ثم قال ابن الجوزي‏:‏ ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله ولم يتلمح عدم الفائدة، فإنَّ صلاة العصر بغيبوبة الشَّمس صارت قضاء، فرجوع الشَّمس لا يعيدها أداء‏.‏

وفي الصَّحيح عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏أنَّ الشَّمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه، فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال، وشيعي ومتروك، ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده، لأنَّه من باب ما تتوفر الدَّواعي على نقله، فلا بدَّ من نقله بالتَّواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى، وبالنسبة إلى جناب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقد ثبت في الصَّحيح أنها رُدَّت ليوشع بن نون، وذلك يوم حاصر بيت المقدس، واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة، وكانوا لا يقاتلون يوم السبت فنظر إلى الشَّمس وقد تنصفت للغروب فقال‏:‏ إنَّك مأمورة وأنا مأمور، اللَّهم احبسها علي، فحبسها الله عليه، حتى فتحوها، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعظم جاهاً وأجلُّ منصباً، وأعلى قدراً من يوشع بن نون، بل من سائر الأنبياء على الأجرام، ولكن لا نقول إلا ما صح عندنا عنه، ولا نسند إليه ما ليس بصحيح، ولو صحَّ لكنَّا من أول القائلين به والمعتقدين له، وبالله المستعان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/88‏)‏

وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاريّ في كتابه ‏(‏إثبات إمامة أبي بكر الصديق‏)‏‏:‏ فإن قال قائل من الرَّوافض‏:‏ إنَّ أفضل فضيلة لأبي الحسن وأدل دليل على إمامته ما روي عن أسماء بنت عميس قالت‏:‏ كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوحى إليه ورأسه في حِجر علي ابن أبي طالب، فلم يصلِّ العصر حتى غربت الشَّمس‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعلي‏:‏ ‏(‏‏(‏صليت‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ لا‏.‏

فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم إنَّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشَّمس‏)‏‏)‏‏.‏

قالت أسماء‏:‏ فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت‏.‏

قيل له‏:‏ كيف لنا لو صحَّ هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود والنَّصارى، ولكن الحديث ضعيف جداً لا أصل له، وهذا مما كسبت أيدي الروافض، ولو رُدَّت الشَّمس بعد ما غربت لرآها المؤمن والكافر، ونقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردَّت الشَّمس بعد ما غربت‏.‏

ثم يقال للروافض‏:‏ أيجوز أن ترد الشَّمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين والأنصار وعلي فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر، والعصر، والمغرب يوم الخندق‏؟‏

قال‏:‏ وأيضاً مرة أخرى عرَّس رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالمهاجرين والأنصار حين قفل من غزوة خيبر فذكر نومهم عن صلاة الصُّبح، وصلاتهم لها بعد طلوع الشَّمس قال‏:‏ فلم يرد اللَّيل على رسول الله وعلى أصحابه قال‏:‏ ولو كان هذا فضلاً أعطيه رسول الله وما كان الله ليمنع رسوله شرفاً وفضلاً - يعني‏:‏ أعطيه علي ابن أبي طالب -‏.‏

ثم قال‏:‏ وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني‏:‏ قلت لمحمد بن عبيد الطَّنافسي‏:‏ ما تقول فيمن يقول‏:‏ رجعت الشَّمس على علي ابن أبي طالب حتى صلَّى العصر ‏؟‏

فقال‏:‏ من قال هذا فقد كذب‏.‏

وقال إبراهيم ابن يعقوب‏:‏ سألت يعلى بن عبيد الطَّنافسي قلت‏:‏ إنَّ ناساً عندنا يقولون إنَّ علياً وصي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ورجعت الشَّمس‏.‏

فقال‏:‏ كذبٌ هذا كله‏.‏

فصل إيراد هذا الحديث من طرق متفرقة‏:‏

أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكانيّ يصنّف فيه ‏(‏تصحيح رد الشَّمس وترغيم النواصب الشَّمس‏)‏ وقال‏:‏ قد روي ذلك من طريق أسماء بنت عميس، وعلي ابن أبي طالب، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصريّ، وأحمد بن الوليد الأنطاكيّ، والحسن بن داود، ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل ابن أبي فديك، وهو ثقة، أخبرني محمد بن موسى الفطريّ المدنيّ وهو ثقة أيضاً عن عون بن محمد قال - وهو ابن محمد بن الحنفية - عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر ابن أبي طالب، عن جدتها أسماء بنت عميس أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى الظهر بالصَّهباء من أرض خيبر، ثم أرسل علياً في حاجة، فجاء وقد صلَّى رسول الله العصر، فوضع رأسه في حِجر علي ولم يحركه حتى غابت غربت الشَّمس‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم إنَّ عبدك علياً احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها‏)‏‏)‏‏.‏

قالت أسماء‏:‏ فطلعت الشَّمس حتى رفعت على الجبال، فقام علي فتوضأ، وصلَّى العصر، ثم غابت الشَّمس‏.‏

وهذا الإسناد فيه من يجهل حاله، فإنَّ عوناً هذا وأمه لا يعرف أمرهما بعدالة وضبط يقبل بسببهما خبرهما، فيما دون هذا المقام، فكيف يثبت بخبرهما هذا الأمر العظيم الذي لم يروه أحد من أصحاب الصِّحاح ولا السُّنن ولا المسانيد المشهورة، فالله أعلم، ولا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أو لا‏.‏

ثم أورده هذا النص من طريق الحسين بن الحسن الأشقر، وهو شيعي جلد وضعَّفه غير واحد عن الفضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين الشَّهيد، عن أسماء بنت عميس، فذكر الحديث‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/89‏)‏

قال‏:‏ وقد رواه عن فضيل بن مرزوق جماعة منهم‏:‏ عبيد الله بن موسى، ثم أورده من طريق أبي جعفر الطَّحاوي من طريق عبد الله، وقد قدَّمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود، وأبي أمية الطَّرسوسيّ، عن عبيد الله بن موسى العبسيّ وهو من الشِّيعة، ثم أورده هذا النص من طريق أبي جعفر العقيلي عن أحمد بن داود، عن عمار بن مطر، عن فضيل بن مرزوق والأغر الرقاشيّ‏.‏

ويقال‏:‏ الرَّواسيّ أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ مولى بني عنزة‏.‏

وثَّقه الثوريّ وابن عيينة‏.‏

وقال أحمد‏:‏ لا أعلم إلا خيراً‏.‏

وقال ابن معين‏:‏ ثقة‏.‏

وقال مرة‏:‏ صالح، ولكنَّه شديد التشيُّع‏.‏

وقال مرة‏:‏ لا بأس به‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏ صدوق، صالح الحديث، يهم كثيراً، يكتب حديثه، ولا يحتجّ به‏.‏

وقال عثمان بن سعيد الدَّارميّ‏:‏ يقال‏:‏ إنَّه ضعيف‏.‏

وقال النَّسائي‏:‏ ضعيف‏.‏

وقال ابن عدي‏:‏ أرجو أن لا بأس به‏.‏

وقال ابن حبان‏:‏ منكر الحديث جداً، كان يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات، وقد روى له مسلم وأهل السنن الأربعة‏.‏

فمن هذه ترجمته لا يتهم بتعمُّد الكذب، ولكنه قد يتساهل، ولا سيما فيما يوافق مذهبه فيروي عمن لا يعرفه، أو يحسن به الظَّن فيدلِّس حديثه ويسقطه، ويذكر شيخه، ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه، وتوقي الكذب فيه‏:‏ ‏(‏عن‏)‏ بصيغة التدليس، ولم يأت بصيغة التحديث، فلعل بينهما من يجهل أمره على أنَّ شيخه هذا - إبراهيم بن الحسن بن علي ابن أبي طالب - ليس بذلك المشهور في حاله، ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، ولا روى عنه غير الفضيل بن مرزوق هذا، ويحيى بن المتوكل، قاله أبو حاتم، وأبو زرعة الرَّازيّان، ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل‏.‏

وأما فاطمة بنت الحسين ابن علي ابن أبي طالب - وهي أخت زين العابدين - فحديثها مشهور، روى لها أهل السنن الأربعة، وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق، وهي من الثِّقات، ولكن لا يدري أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا، فالله أعلم‏.‏

ثم رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكناني‏:‏ ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابي، حدَّثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكريّ من أصل كتابه، ثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم، ثنا خلف بن سالم، ثنا عبد الرَّزاق، ثنا سفيان الثوريّ عن أشعث أبي الشَّعثاء، عن أمه، عن فاطمة - يعني‏:‏ بنت الحسين -، عن أسماء أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دعا لعلي حتى رُدَّت عليه الشَّمس‏.‏

وهذا إسناد غريب جداً، وحديث عبد الرَّزاق وشيخه الثوري محفوظ عند الأئمة لا يكاد يترك منه شيء من المهمات، فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم، إلا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضَّبط والعدالة كغيرهم، ثم إن أم أشعث مجهولة، فالله أعلم‏.‏

ثم ساقه هذا النص من طريق محمد بن مرزوق، ثنا حسين الأشقر - وهو شيعي وضعيف كما تقدم - عن علي بن هاشم بن الثريد - وقد قال فيه ابن حبان‏:‏ كان غالياً في التشيُّع يروي المناكير عن المشاهير - عن عبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار، عن علي بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس فذكره، وهذا إسناد لا يثبت‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/90‏)‏

ثمَّ أسنده من طريق عبد الرَّحمن بن شريك عن أبيه، عن عروة بن عبد الله، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة عن أحمد بن يحيى الصُّوفي، عن عبد الرَّحمن بن شريك، عن عبد الله النَّخعيّ‏.‏

وقد روى عنه البخاريّ في كتاب ‏(‏الأدب‏)‏ وحدَّث عنه جماعة من الأئمة‏.‏

وقال فيه أبو حاتم الرَّازيّ‏:‏ كان واهي الحديث‏.‏

وذكره ابن حبان في كتاب ‏(‏الثِّقات‏)‏ وقال‏:‏ ربما أخطأ، وأرَّخ ابن عقدة وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين‏.‏

وقد قدَّمنا أنَّ الشَّيخ أبا الفرج ابن الجوزيّ قال‏:‏ إنما أتهم بوضعه أبا العبَّاس ابن عقدة، ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطَّعن والجرح، وأنَّه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إيَّاها، والله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ في سياق هذا الإسناد عن أسماء أنَّ الشَّمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد، وهذا يناقض ما تقدَّم من أن ذلك كان بالصَّهباء من أرض خيبر، ومثل هذا يوجب توهين الحديث وضعفه والقدح فيه، ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي، ثنا علي بن العبَّاس بن الوليد، ثنا عبادة بن يعقوب الرواجيّ، ثنا علي بن هاشم عن صباح، عن عبد الله بن الحسن - أبي جعفر -، عن حسين المقتول، عن فاطمة، عن أسماء بنت عميس قالت‏:‏ لما كان يوم شغل علي لمكانه من قسم المغنم حتى غربت الشَّمس، أو كادت‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏أما صليت‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ لا، فدعا الله فارتفعت الشَّمس حتى توسطت السَّماء، فصلَّى علي فلمَّا غربت الشَّمس سمعت لها صريراً كصرير الميشار في الحديد‏.‏

وهذا أيضاً سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة، مع أنَّ إسناده مظلم جداً، فإنَّ صباحاً هذا لا يعرف، وكيف يروي الحسين بن علي المقتول شهيداً عن واحد عن واحد، عن أسماء بنت عميس‏؟‏ هذا تخبيط إسناداً ومتناً، ففي هذا أنَّ علياً شغل بمجرد قسم الغنيمة، وهذا لم يقله أحد، ولا ذهب إلى جواز ترك الصَّلاة لذلك ذاهب، وإن كان قد جوَّز بعض العلماء تأخير الصَّلاة عن وقتها لعذر القتال كما حكاه البخاري عن مكحول، والأوزاعيّ، وأنس بن مالك في جماعة من أصحابه، واحتجَّ لهم البخاريّ بقصة تأخير الصَّلاة يوم الخندق، وأمره - عليه السَّلام أن لا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريظة، وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف‏.‏

والمقصود‏:‏ أنَّه لم يقل أحد من العلماء إنَّه يجوز تأخير الصَّلاة بعذر قسم الغنيمة، حتى يسند هذا إلى صنيع علي رضي الله عنه وهو الرَّاوي عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الوسطى هي العصر، فإن كان هذا ثابتاً على ما رواه هؤلاء الجماعة، وكان علي متعمداً لتأخير الصَّلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشَّارع صار هذا وحده دليلاً على جواز ذلك، ويكون أقطع في الحجَّة مما ذكره البخاريّ، لأنَّ هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعاً، لأنَّه كان بخيبر سنة سبع، وصلاة الخوف شرعت قبل ذلك، وإن كان علي ناسياً حتى ترك الصَّلاة إلى الغروب فهو معذور، فلا يحتاج إلى رد الشَّمس بل وقتها بعد الغروب، والحالة هذه إذن كما ورد به الحديث، والله أعلم‏.‏

وهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث، ثم إن جعلناه قضية أخرى وواقعة غير ما تقدَّم، فقد تعدد ردّ الشَّمس غير مرة، ومع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء، ولا رواه أهل الكتب المشهورة، وتفرَّد بهذه الفائدة هؤلاء الرُّواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/91‏)‏

ثم أورد هذا النص من طريق أبي العبَّاس بن عقدة، حدَّثنا يحيى بن زكريا، ثنا يعقوب بن سعيد، ثنا عمرو بن ثابت قال‏:‏ سألت عبد الله بن حسن بن حسين بن علي ابن أبي طالب عن حديث ردّ الشَّمس على علي ابن أبي طالب هل يثبت عندكم ‏؟‏

فقال لي‏:‏ ما أنزل الله في كتابه أعظم من رد الشَّمس‏.‏

قلت‏:‏ صدقت جعلني الله فداك، ولكني أحب أن أسمعه منك‏.‏

فقال‏:‏ حدَّثني أبي الحسن، عن أسماء بنت عميس أنها قالت‏:‏ أقبل عليّ ابن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلي العصر مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فوافق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد انصرف، ونزل عليه الوحي فأسنده إلى صدره، فلم يزل مسنده إلى صدره حتى أفاق رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أصليت العصر يا علي‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ جئت والوحي ينزل عليك فلم أزل مسندك إلى صدري حتى السَّاعة‏.‏

فاستقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم القبلة - وقد غربت الشَّمس - وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهمَّ إنَّ علياً كان في طاعتك، فارددها عليه‏)‏‏)‏‏.‏

قالت أسماء‏:‏ فأقبلت الشَّمس ولها صرير كصرير الرَّحى حتى كانت في موضعها وقت العصر، فقام علي متمكناً فصلَّى، فلمَّا فرغ رجعت الشَّمس ولها صرير كصرير الرَّحى، اختلط الظَّلام وبدت النّجوم‏.‏

وهذا منكر أيضاً إسناداً ومتناً، وهو مناقض لما قبله من السِّياقات، وعمرو بن ثابت هذا هو المتَّهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره، وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكريّ، الكوفيّ مولى بكر بن وائل، ويعرف بعمرو بن المقدام الحدَّاد، روى عن غير واحد من التَّابعين، وحدَّث عنه جماعة منهم سعيد بن منصور، وأبو داود، وأبو الوليد الطَّيالسيّان‏.‏

قال‏:‏ تركه عبد الله بن المبارك وقال‏:‏ لا تحدِّثوا عنه فإنَّه كان يسب السَّلف، ولما مرَّت به جنازته توارى عنها‏.‏

وكذلك تركه عبد الرَّحمن بن مهدي‏.‏

وقال أبو معين والنسائي‏:‏ ليس بثقة، ولا مأمون، ولا يكتب حديثه‏.‏

وقال مرة أخرى هو، وأبو زرعة، وأبو حاتم‏:‏ كان ضعيفاً‏.‏

زاد أبو حاتم‏:‏ وكان رديء الرأي، شديد التشيُّع، لا يكتب حديثه‏.‏

وقال البخاري‏:‏ ليس بالقويّ عندهم‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ كان من شرار النَّاس، كان رافضياً - قال هنا‏:‏ - ولما مات لم أصل عليه، لأنَّه قال لما مات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ كفر النَّاس إلا خمسة، وجعل أبو داود يذمَّه‏.‏

وقال ابن حبان‏:‏ يروي الموضوعات عن الأثبات‏.‏

وقال ابن عدي‏:‏ والضعف على حديثه بيِّن، وأرَّخوا وفاته في سنة سبع وعشرين ومائة‏.‏

ولهذا قال شيخنا أبو العبَّاس ابن تيمية‏:‏ وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجلَّ قدراً من أن يحدِّثا بهذا الحديث‏.‏

قال‏:‏ هذا المصنف المنصف‏.‏

وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكريّ، أنَّا أبو محمد صالح بن الفتح النَّسائي، ثنا أحمد بن عمير بن حوصاء، ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهريّ، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفليّ عن أبيه، ثنا داود بن فراهيج، وعن عمارة بن برد، وعن أبي هريرة فذكره وقال‏:‏ اختصرته من حديث طويل، وهذا إسناد مظلم، ويحيى ابن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون، وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود ابن فراهيج عن أبي هريرة، وضعَّف داود هذا شعبة والنَّسائي وغيرهما، والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرُّواة، أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/92‏)‏

قال‏:‏ وأمَّا حديث أبي سعيد فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابةً أنَّ أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم، أنَّا محمد بن أحمد بن متيم، أنَّا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب، حدثني أبي عن أبيه محمد، عن أبيه عبد الله، عن أبيه عمر قال‏:‏ قال الحسين بن علي‏:‏ سمعت أبا سعيد الخدريّ يقول‏:‏ دخلت على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإذا رأسه في حِجر علي، وقد غابت الشَّمس فانتبه النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا علي أصليت العصر‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ لا يا رسول الله ما صليت، كرهت أن أضع رأسك من حِجري وأنت وجع‏.‏

فقال رسول الله‏:‏ ‏(‏‏(‏يا علي‏!‏ ادع يا علي أن تردَّ عليك الشَّمس‏)‏‏)‏‏.‏

فقال علي‏:‏ يا رسول الله ادع أنت، وأنا أؤمن‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا رب إنَّ علياً في طاعتك، وطاعة نبيك، فاردد عليه الشَّمس‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو سعيد‏:‏ فوالله لقد سمعت للشَّمس صريراً كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية، وهذا إسناد مظلم أيضاً ومتنه منكر، ومخالف لما تقدمه من السِّياقات، وكل هذا يدل على أنَّه موضوع مصنوع مفتعل يسرقه هؤلاء الرَّافضة بعضهم من بعض، ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه، كما أخرجا في الصَّحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج، وقصة المخدج، وغير ذلك من فضائل علي‏.‏

قال‏:‏ وأما حديث أمير المؤمنين علي‏:‏ فأخبرنا أبو العبَّاس الفرغاني، أنَّا أبو الفضل الشَّيباني، ثنا رجاء بن يحيى الساماني، ثنا هارون بن سعدان بسامرا سنة أربعين ومائتين، ثنا عبد الله بن عمرو بن الأشعث عن داود بن الكميت، عن عمه المستهل بن زيد، عن أبيه زيد بن سلهب، عن جويرية بنت شهر قالت‏:‏ خرجت مع علي ابن أبي طالب‏.‏

فقال‏:‏ يا جويرية إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يوحى إليه، ورأسه في حِجري، فذكر الحديث‏.‏

وهذا الإسناد مظلم، وأكثر رجاله لا يعرفون، والذي يظهر والله أعلم أنَّه مركَّب مصنوع مما عملته أيدي الرَّوافض، ولعن من كذب على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعجل له ما توعده الشَّارع من العذاب والنِّكال حيث قال وهو الصَّادق في المقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من كذَّب عليَّ متعمداً فليتبوَّأ مقعده من النَّار‏)‏‏)‏‏.‏

وكيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه علي ابن أبي طالب وفيه منقبة عظيمة له دلالة معجزة باهرة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد المظلم، المركَّب على رجال لا يعرفون، وهل لهم وجود في الخارج أم لا، الظاهر والله أعلم لا، ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال، فأين أصحاب علي الثِّقات، كعبيدة السلماني، وشريح القاضي، وعامر الشِّعبي، وأضرابهم، ثم في ترك الأئمة كمالك، وأصحاب الكتب السِّتة، وأصحاب المسانيد، والسنن، والصِّحاح، والحسان، رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم أكبر دليل على أنَّه لا أصل له عندهم، وهو مفتعل مأفوك بعدهم‏.‏

وهذا أبو عبد الرَّحمن النَّسائي قد جمع كتاباً في خصائص علي ابن أبي طالب ولم يذكره، وكذلك لم يروه الحاكم في مستدركه، وكلاهما ينسب إلى شيء من التشيُّع، ولا رواه من رواه من النَّاس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب، وكيف يقع مثل هذا نهاراً جهرةً وهو مما تتوفر الدَّواعي على نقله، ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة وأكثرها مركبة موضوعة، وأجود ما فيها ما قدَّمناه من طريق أحمد بن صالح المصري عن ابن أبي فديك، عن محمد بن موسى الفطريّ، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف، وقد اغترَّ بذلك أحمد بن صالح رحمه الله ومال إلى صحَّته، ورجَّح ثبوته‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/93‏)‏

قال الطحاوي في كتابه ‏(‏مشكل الحديث‏)‏ عن علي بن عبد الرَّحمن، عن أحمد بن صالح المصريّ أنَّه كان يقول‏:‏ لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في ردّ الشَّمس لأنَّه من علامات النُّبوة‏.‏

وهكذا مال إليه أبو جعفر الطَّحاويّ أيضاً فيما قيل‏.‏

ونقل أبو القاسم الحسكانيّ هذا عن أبي عبد الله البصريّ المتكلم المعتزليّ أنَّه قال‏:‏ عود الشَّمس بعد مغيبها آكد حالاً فيما يقتضي نقله، لأنَّه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين فإنَّه من أعلام النبوة، وهو مقارن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة‏.‏

وحاصل هذا الكلام يقتضي أنَّه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلاً متواتراً، وهذا حق لو كان الحديث صحيحاً، ولكنَّه لم ينقل كذلك، فدلَّ على أنَّه ليس بصحيح في نفس الأمر، والله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ والأئمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث ويردونه، ويبالغون في التشنيع على رواته، كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ‏:‏ كمحمَّد، ويعلى بن عبيد الطَّنافسيين، وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجانيّ خطيب دمشق، وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاريّ المعروف بابن زنجويه، وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر، والشَّيخ أبي الفرج ابن الجوزيّ وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، وممن صرَّح بأنَّه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجَّاج المزِّي، والعلامة أبو العبَّاس ابن تيمية‏.‏

وقال الحاكم أبو عبد الله النّيسابوريّ‏:‏ قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشميّ، ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى، ثنا عبد الله بن علي بن المدينيّ قال‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ حديث لو صدق السَّائل ما أفلح من ردَّه، وحديث لا وجع إلا وجع العين، ولا غم إلا غم الدَّين، وحديث أنَّ الشَّمس رُدَّت على علي ابن أبي طالب، وحديث أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام، وحديث أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا يغتابان‏.‏

والطَّحاويّ رحمه الله وإن كان قد اشتبه عليه أمره، فقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله إنكاره، والتَّهكم بمن رواه‏.‏

قال أبو العباس بن عقدة‏:‏ ثنا جعفر بن محمد بن عمير، ثنا سليمان بن عباد سمعت بشَّار بن دراع قال‏:‏ لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان فقال‏:‏ عمَّن رويت حديث ردّ الشَّمس ‏؟‏

فقال‏:‏ عن غير الذي رويت عنه يا سارية الجبل‏.‏

فهذا أبو حنيفة رحمه الله وهو من الأئمة المعتبرين، وهو كوفيّ لا يتهم على حب علي ابن أبي طالب، وتفضيله بما فضَّله الله به ورسوله، وهو مع هذا منكر على راويه، وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يجدي، أي‏:‏ أنا رويت في فضل علي هذا الحديث، وهو وإن كان مستغرباً فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطَّاب في قوله‏:‏ يا سارية الجبل، وهذا ليس بصحيح، من محمد ابن النُّعمان فإنَّ هذا ليس كهذا، إسناداً ولا متناً، وأين مكاشفة إمام قد شهد الشَّارع له بأنَّه محدِّث بأمر خبر من ردّ الشَّمس طالعةً بعد مغيبها الذي هو أكثر علامات السَّاعة‏؟‏ والذي وقع ليوشع بن نون ليس رداً للشَّمس عليه، بل حبست ساعة قبل غروبها بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح، والله تعالى أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/94‏)‏

وتقدَّم ما أورده هذا النص من طرق هذا الحديث عن علي، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأسماء بنت عميس، وقد وقع في كتاب أبي بشر الدُّولابيّ في ‏(‏الذرية الطَّاهرة‏)‏ من حديث الحسين بن علي، والظاهر أنَّه عنه عن أبي سعيد الخدريّ كما تقدَّم، والله أعلم‏.‏

وقد قال شيخ الرَّافضة جمال الدِّين يوسف بن الحسن الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في ‏(‏الإمامة‏)‏ الذي ردَّ عليه فيه شيخنا العلامة أبو العبَّاس ابن تيمية‏.‏

قال ابن المطهر‏:‏ التاسع من رجوع الشَّمس مرتين‏:‏ إحداهما في زمن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والثانية بعده‏.‏

أما الأولى‏:‏ فروى جابر، وأبو سعيد أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نزل عليه جبريل يوماً يناجيه من عنده الله، فلمَّا تغشَّاه الوحي توسَّد فخذ أمير المؤمنين، فلم يرفع رأسه حتى غابت الشَّمس، فصلَّى علي العصر بالإيماء، فلمَّا استيقظ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال له‏:‏ سل الله أن يردَّ عليك الشَّمس فتصلي قائماً، فدعا فردَّت الشَّمس، فصلَّى العصر قائماً‏.‏

وأما الثانية‏:‏ فلمَّا أراد أن يعبر الفرات ببابل، اشتغل كثير من الصَّحابة بدوابهم، وصلَّى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر، وفات كثير منهم فتكلموا في ذلك، فسأل الله ردَّ الشَّمس فردَّت‏.‏

قال‏:‏ وقد نظمه الحميريّ فقال‏:‏

رُدّتْ عَليهِ الشَّمسُ لما فاتهُ * وقتُ الصَّلاةِ وقدْ دَنَتْ للمغْرِبِ

حتى تَبَلَّجَ نورُهَا في وَقتِهَا * للعصرِ ثمَّ هَوَتْ هَوي الكَوْكَبِ

وعليهِ قَدْ ردَّتْ ببابلَ مرةً * أخرى وما ردَّتْ لخلقٍ مقربِ

قال شيخنا أبو العبَّاس ابن تيمية رحمه الله‏:‏ فضل علي وولايته وعلو منزلته عند الله معلوم، ولله الحمد بطرق ثابتة، أفادتنا العلم اليقينيّ لا يحتاج معها إلى ما لا يعلم صدقه، أو يعلم أنَّه كذب، وحديث ردّ الشَّمس قد ذكره طائفة كأبي جعفر الطَّحاوي، والقاضي عياض وغيرهما، وعدوا ذلك من معجزات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، لكنَّ المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أنَّ هذا الحديث كذب موضوع‏.‏

ثم أورد طرقه واحدة واحدة كما قدَّمنا، وناقش أبا القاسم الحسكانيّ فيما تقدم، وقد أوردنا كل ذلك وزدنا عليه ونقصنا منه، والله الموفق، واعتذر عن أحمد بن صالح المصريّ في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغتر بسنده، وعن الطَّحاوي بأنَّه لم يكن عنده نقل جيد للأسانيد كجهابذة الحفاظ وقال في عيون كلامه‏:‏ والذي يقطع به أنَّه كذب مفتعل‏.‏

قلت‏:‏ وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب، ولكن لم يسنده، وفي سياقه ما يقتضي أنَّ علياً هو الذي دعا بردِّ الشَّمس في الأولى، والثانية، وأما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد، وأظنه والله أعلم من وضع الشِّيعة ونحوهم، فإنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشَّمس ولم يكونوا صلُّوا العصر، بل قاموا إلى بطحان وهو واد هناك فتوضئوا، وصلوا العصر بعد ما غربت الشَّمس، وكان علي أيضاً فيهم ولم ترد لهم، وكذلك كثير من الصَّحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشَّمس ولم ترد لهم، وكذلك لما نام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشَّمس صلُّوها بعد ارتفاع النَّهار ولم يرد لهم اللَّيل، فما كان الله عز وجل ليعطي علياً وأصحابه شيئاً من الفضائل لم يعطها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه‏.‏

وأما نظم الحميريّ فليس فيه حجة، بل هو كهذيان ابن المطهر، هذا لا يعلم ما يقول من النثر، وهذا لا يدري صحة ما ينظم، بل كلاهما كما قال الشَّاعر‏:‏

إنْ كنتُ أدري فعَلى بدنَهْ * من كثرةِ التخليطِ أَني مَنْ أنَهْ ‏(‏ج/ص‏:‏6/95‏)‏

والمشهور عن علي في أرض بابل ما رواه أبو داود رحمه الله في سننه عن علي أنَّه مرَّ بأرض بابل وقد حانت صلاة العصر، فلم يصلِّ حتى جاوزها وقال‏:‏ نهاني خليلي صلَّى الله عليه وسلَّم أن أصلِّي بأرض بابل فإنَّها ملعونة‏.‏

وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه ‏(‏الملل والنحل‏)‏ - مبطلاً لردِّ الشَّمس على علي، بعد كلام ذكره راداً على من ادعى باطلاً من الأمر - فقال‏:‏ ولا فرق بين من ادَّعى شيئاً مما ذكرنا لفاضل، وبين دعوى الرَّافضة ردَّ الشَّمس على علي ابن أبي طالب مرتين، حتى ادَّعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال‏:‏

فَرُدَّتْ عَلينا الشَّمس واللَّيلُ رَاغمٌ * بشَمسٍ لهمْ مِن جانبِ الخدرِ تَطلعِ

نَضَا ضَوءهَا صبغَ الدجنةِ وانطوى * لبهْجتهَا نورُ السَّماءِ المرجعُ

فواللهِ ما أدرِي علي بَدا لَنا فَردَّتْ * لهُ أمْ كانَ في القَومِ يوشَعُ

هكذا أورده ابن حزم في كتابه، وهذا الشّعر تظهر عليه الرِّكة والتركيب، وأنَّه مصنوع، والله أعلم‏.‏

ومما يتعلق بالآيات السَّماوية في باب ‏(‏دلائل النبُّوة‏)‏ استسقاؤه - عليه السَّلام‏)‏ ربَّه - عزَّ وجل - لأمته حين تأخر المطر، فأجابه إلى سؤاله سريعاً بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر يتحادر على لحيته -عليه السَّلام -، وكذلك استصحاؤه‏.‏

قال البخاري‏:‏ ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو قتيبة، ثنا عبد الرَّحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه قال‏:‏ سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب‏:‏

وأبيضَ يَسْتسقِي الغَمامُ بوجهِهِ * ثمالَ اليتامَى عصمةٌ للأرامِلِ

قال البخاري‏:‏ وقال أبو عقيل الثَّقفي عن عمرو بن حمزة، ثنا سالم عن أبيه‏:‏ ربمَّا ذكرت قول الشَّاعر، وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب‏:‏

وأبيضَ يُستسقَى الغَمامُ بوجهِهِ * ثمالَ اليتامَى عِصمةٌ للأراملِ ‏(‏ج/ص‏:‏6/96‏)‏

وهو قول أبي طالب تفرَّد به البخاريّ، وهذا الذي علَّقه قد أسنده ابن ماجه في سننه فرواه عن أحمد بن الأزهر، عن أبي النضر، عن أبي عقيل، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه‏.‏

وقال البخاريّ‏:‏ ثنا محمد - هو ابن سلام - ثنا أبو ضمرة، ثنا شريك بن عبد الله ابن أبي نمر أنَّه سمع أنس بن مالك يذكر أنَّ رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائماً فقال‏:‏ يا رسول الله هلكت الأموال، وتقطعت السُّبل، فادع الله لنا يغيثنا‏.‏

قال‏:‏ فرفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يديه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا‏)‏‏)‏‏.‏

قال أنس‏:‏ ولا والله ما نرى في السَّماء من سحاب، ولا قزعة، ولا شيئاً، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار‏.‏

قال‏:‏ فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسَّطت السَّماء انتشرت، ثم أمطرت‏.‏

قال‏:‏ والله ما رأينا الشَّمس ستاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قائم يخطب، فاستقبله قائماً وقال‏:‏ يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبل، ادع الله يمسكها‏.‏

قال‏:‏ فرفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يديه ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم حوالينا ولا علينا، اللَّهم على الآكام والجبال، والظِّراب، ومنابت الشَّجر‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فانقطعت، وخرجنا نمشي في الشَّمس‏.‏

قال شريك‏:‏ فسألت أنساً أهو الرجل الذي سأل أولاً ‏؟‏

قال‏:‏ لا أدري‏.‏

وهكذا رواه البخاري أيضاً، ومسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن شريك به‏.‏

وقال البخاري‏:‏ ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة عن قتادة، عن أنس قال‏:‏ بينما رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال‏:‏ يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا، فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة‏.‏

قال‏:‏ فقام ذلك الرَّجل أو غيره فقال‏:‏ يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم حوالينا ولا علينا‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فلقد رأيت السَّحاب ينقطع يميناً، وشمالاً، يمطرون ولا يمطر أهل المدينة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/97‏)‏

تفرَّد به البخاريّ من هذا الوجه‏.‏

وقال البخاريّ‏:‏ ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس قال‏:‏ جاء رجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال‏:‏ هلكت المواشي، وتقطَّعت السُّبل فادع الله، فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة‏.‏

ثم جاء فقال‏:‏ تهدَّمت البيوت، وتقطَّعت السُّبل، وهلكت المواشي، فادع الله أن يمسكها‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم على الآكام والظِّراب، والأودية ومنابت الشَّجر‏)‏‏)‏

فانجابت عن المدينة انجياب الثَّوب‏.‏

وقال البخاريّ‏:‏ ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله، ثنا الأوزاعيّ، ثنا إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة الأنصاريّ، حدَّثني أنس بن مالك قال‏:‏ أصابت النَّاس سِنة على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فبينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابي فقال‏:‏ يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا‏.‏

قال‏:‏ فرفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يديه، وما في السَّماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته‏.‏

قال‏:‏ فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي - أو قال غيره - فقال‏:‏ يا رسول الله تهدَّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا‏.‏

فرفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يديه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم حوالينا ولا علينا‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فما جعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يشير بيديه إلى ناحية من السَّماء إلا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوية، وسال الوادي - قناة - شهراً، ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود‏.‏

ورواه البخاري‏:‏ أيضاً في الجمعة، ومسلم من حديث الوليد عن الأوزاعيّ‏.‏

وقال البخاريّ‏:‏ وقال أيوب بن سليمان‏:‏ حدَّثني أبو بكر ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال‏:‏ قال يحيى بن سعيد‏:‏ سمعت أنس بن مالك قال‏:‏ أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الجمعة فقال‏:‏ يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك النَّاس‏.‏

فرفع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يديه يدعو، ورفع النَّاس أيديهم مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يدعون‏.‏

قال‏:‏ فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى‏.‏

فأتى الرَّجل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ يا رسول الله بشق المسافر، ومنع الطَّريق‏.‏

قال البخاري‏:‏ وقال الأويسي - يعني‏:‏ عبد الله -‏:‏ حدَّثني محمد بن جعفر - هو ابن كثير - عن يحيى بن سعيد وشريك سمعا أنساً عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه‏.‏

هكذا علق هذين الحديثين، ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية‏.‏

وقال البخاري‏:‏ ثنا محمد ابن أبي بكر قال‏:‏ حدَّثنا معتمر عن عبيد الله، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال‏:‏ كان النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب يوم الجمعة، فقام النَّاس فصاحوا فقالوا‏:‏ يا رسول الله قحط المطر، واحمرَّت الشَّجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسقنا‏)‏‏)‏ مرتين، وأيم الله ما نرى في السَّماء قزعة من سحاب، فنشأت سحابة وأمطرت، ونزل عن المنبر فصلَّى، فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها‏.‏

فلما قام النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يخطب، صاحوا إليه‏:‏ تهدَّمت البيوت، وانقطعت السُّبل، فادع الله يحبسها عنا‏.‏

قال‏:‏ فتبسَّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم حوالينا ولا علينا‏)‏‏)‏ فتكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وأنها لفي مثل الإكليل‏.‏

وقد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان عن عبيد الله - وهو ابن عمر العمريّ - به وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا ابن أبي عدي عن حميد قال‏:‏ سئل أنس هل كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يرفع يديه‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/98‏)‏

فقال‏:‏ قيل له يوم الجمعة‏:‏ يا رسول الله قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال‏.‏

قال‏:‏ فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، ولقد رفع يديه فاستسقى، ولقد رفع يديه وما نرى في السَّماء سحابة، فما قضينا الصَّلاة حتى أنَّ الشَّاب قريب الدَّار ليهمه الرُّجوع إلى أهله‏.‏

قال‏:‏ فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا‏:‏ يا رسول الله تهدَّمت البيوت، واحتبست الرُّكبان‏.‏

فتبسَّم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من سرعة ملالة ابن آدم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم حوالينا ولا علينا‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فتكشطت عن المدينة، وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشَّيخين، ولم يخرِّجوه‏.‏

وقال البخاريّ، وأبو داود واللَّفظ له‏:‏ ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، وعن يونس بن عبيد، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال‏:‏ يا رسول الله هلكت الكراع، هلكت الشَّاء، فادع الله يسقينا‏.‏

فمدَّ يده ودعا قال أنس‏:‏ وإنَّ السَّماء لمثل الزُّجاجة، فهاجت الرِّيح أنشأت سحاباً ثم اجتمع، ثم أرسلت السَّماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرَّجل - أو غيره - فقال‏:‏ يا رسول الله تهدَّمت البيوت، فادع الله يحبسه، فتبسَّم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏حوالينا ولا علينا‏)‏‏)‏ فنظرت إلى السَّحاب يتصدع حول المدينة، كأنَّه إكليل‏.‏

فهذه طرق متواترة، عن أنس بن مالك، لأنها تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن‏.‏

وقال البيهقيّ بإسناده من غير وجه إلى أبي معمر سعيد ابن أبي خيثم الهلاليّ عن مسلم الملائي، عن أنس بن مالك قال‏:‏ جاء أعرابي فقال‏:‏ يا رسول الله والله لقد أتيناك وما لنا بعير يبسط ولا صبي يصطبح، وأنشد‏:‏

أَتيناكَ والعذراءُ يدمِي لِبانهَا * وَقَدْ شُغِلَتْ أمَّ الصَّبيّ عنِ الطّفلِ

وأَلقَى بكفيهِ الفَتى لاستكانَةٍ * مِن الجوعِ ضعفاً قائماً وهوَ لا يخلِي

وَلا شيءَ ممَّا يأكُلُ النَّاسُ عندنَا * سِوى الحنْظَلِ العَامِي والعِلهزِ الفَسْلِ

وليسَ لَنا إلا إليكَ فِرارَنَا * وأَيْنَ فرارُ النَّاسِ إلا إلى الرُّسلِ ‏(‏ج/ص‏:‏6/99‏)‏

قال‏:‏ فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يجرُّ رداءه حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم رفع يديه نحو السَّماء وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً سريعاً، غدقاً طبقاً، عاجلاً غير رائث، نافعاً غير ضار، تملأ به الضَّرع، وتنبت به الزَّرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما ردَّ يده إلى نحره حتى ألقت السَّماء بأوراقها، وجاء أهل البطانة يصيحون‏:‏ يا رسول الله الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السَّماء وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم حوالينا ولا علينا‏)‏‏)‏‏.‏

فانجاب السَّحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل، فضحك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى بدت نواجذه ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لله درّ أبي طالب لو كان حياً قرَّت عيناه، من ينشد قوله‏؟‏‏)‏‏)‏

فقام علي ابن أبي طالب فقال‏:‏ يا رسول الله كأنَّك أردت قوله‏:‏

وأبيضَ يُستقَى الغَمامُ بوجهِهِ * ثمالُ اليتامَى عصْمَةٌ للأَرامِلِ

يلوذُ بهِ الهلاكُ منْ آلِ هاشِمٍ * فهمْ عندهُ في نعمةٍ وَفواضِلِ

كذبتُمْ وبيتُ اللهِ يبزَى محَمَّد * وَلمَا نُقاتِلْ دُونَهُ وَنُناضِلِ

وَنُسلِمَهُ حتى نصرَّعَ حولَهُ * وَنذهلُ عَنْ أَبنائِنَا والحَلائِلِ

قال‏:‏ وقام رجل من بني كنانة فقال‏:‏

لكَ الحَمدُ والحمدُ ممَّن شَكرْ * سُقينَا بوجْهِ النَّبيّ المطرْ

دَعا اللهَ خالقَهُ دعْوَةً * إليهِ وأشخصَ منهُ البصَرْ

فلَمْ يكُ إلا كلَفِّ الرِّداءِ * وأسرَعَ حتى رأيْنا الدُّرَرْ

رِقاقَ العَوالي عمَّ البِقاعْ * أغاثَ بهِ الله عينَا مُضَرْ

وكانَ كَمَا قالَهُ عمَّهُ * أبو طالبٍ أبيضَ ذُو غرَرْ

بهِ الله يَسقِي بصوبِ الغَمَامْ * وهذا العيانَ كذاكَ الخبرْ

فَمَنْ يَشْكرِ الله يلقَى المزيدْ * ومن يكفر اللهَ يلقَى الغِيرْ

قال‏:‏ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا السِّياق فيه غرابة، ولا يشبه ما قدَّمنا من الرِّوايات الصَّحيحة المتواترة عن أنس فإن كان هذا هكذا محفوظاً فهو قصة أخرى غير ما تقدم، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/100‏)‏

وقال الحافظ البيهقيّ‏:‏ أنَّا أبو بكر ابن الحارث الأصبهانيّ، ثنا أبو محمد ابن حبان، ثنا عبد الله بن مصعب، ثنا عبد الجبار، ثنا مروان بن معاوية، ثنا محمد ابن أبي ذئب المدنيّ عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحيّ، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السَّلميّ قال‏:‏ لما قفل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من غزوة تبوك، أتاه وفد بني فزارة فيهم بضعة عشر رجلاً فيهم خارجة بن الحصين، والحر بن قيس - وهو أصغرهم - ابن أخي عيينة بن حصن، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل ضعاف عجاف وهم مسنتون، فأتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مقرِّين بالإسلام، فسألهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن بلادهم‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله أسنتت بلادنا وأجدبت أحياؤنا، وعريت عيالنا، وهلكت مواشينا، فادع ربَّك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربِّك، ويشفع ربُّك إليك‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏سبحان الله، ويلك هذا ما شفعت إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربّنا إليه، لا إله إلا الله وسع كرسيَّه السَّموات والأرض، وهو يئطّ من عظمته وجلاله، كما يئطّ الرَّجل الجديد‏)‏‏)‏‏.‏

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ‏(‏‏(‏إنَّ الله يضحك من شفقتكم وأزلكم وقرب غياثكم‏)‏‏)‏‏.‏

فقال الأعرابي‏:‏ ويضحك ربنا يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏!‏

فقال الأعرابي‏:‏ لن نعدم يا رسول الله من ربٍّ يضحك خيراً‏.‏

فضحك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من قوله، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فصعد المنبر، وتكلم بكلام ورفع يديه - وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يرفع يديه في شيء من الدُّعاء إلا في الاستسقاء - ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسق بلدك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت، اللَّهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً مريعاً، طبقاً واسعاً، عاجلاً غير آجل، نافعاً غير ضار، اللَّهم سقيا رحمة، ولا سقيا عذاب، ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللَّهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء‏)‏‏)‏‏.‏

فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال‏:‏ يا رسول الله إنَّ التَّمر في المرابد‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسقنا‏)‏‏)‏‏.‏

فقال أبو لبابة‏:‏ التَّمر في المرابد ثلاث مرات‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عرياناً فيسد ثعلب مربده بإزاره‏)‏‏)‏‏.‏

‏(‏يتبع‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏

‏(‏تابع‏.‏‏.‏‏.‏ 1‏)‏‏:‏ أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكانيّ يصنّف فيه ‏(‏تصحيح‏.‏‏.‏‏.‏ ‏.‏‏.‏‏.‏

قال‏:‏ فلا والله ما في السَّماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل التّرس، فلما توسَّطت السَّماء انتشرت وهم ينظرون ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشَّمس ستاً، وقام أبو لبابة عرياناً يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التَّمر منه‏.‏

فقال رجل‏:‏ يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السُّبل‏.‏

فصعد النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم حوالينا ولا علينا، اللَّهم على الآكام والظِّراب وبطون الأودية، ومنابت الشَّجر‏)‏‏)‏‏.‏

فانجابت السَّحابة عن المدينة كانجياب الثوب، وهذا السِّياق يشبه سياق مسلم الملائي عن أنس‏.‏

ولبعضه شاهد في سنن أبي داود، وفي حديث أبي رزين العقيلي شاهد لبعضه، والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/101‏)‏

وقال الحافظ أبو بكر البيهقيّ في ‏(‏الدَّلائل‏)‏‏:‏ أنَّا أبو بكر محمد بن الحسن بن علي بن المؤمل، أنَّا أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أنَّا عبد الرَّحمن ابن أبي حاتم، ثنا محمد بن حماد الظَّهرانيّ، أنَّا سهل بن عبد الرَّحمن المعروف بالسدي بن عبدويه عن عبد الله بن عبد الله ابن أبي أويس المدنيّ، عن عبد الرَّحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي لبابة، عن عبد المنذر الأنصاريّ قال‏:‏ استسقى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الجمعة وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسقنا، اللَّهم اسقنا‏)‏‏)‏‏.‏

فقام أبو لبابة فقال‏:‏ يا رسول الله إنَّ التَّمر في المرابد وما في السَّماء من سحاب نراه‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسقنا‏)‏‏)‏‏.‏

فقام أبو لبابة فقال‏:‏ يا رسول الله إنَّ التَّمر في المرابد‏.‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللَّهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة يسد ثعلب مربدة بإزاره‏)‏‏)‏‏.‏

فاستهلت السَّماء أمطرت، وصلَّى بنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأتى القوم أبا لبابة يقولون له‏:‏ يا أبا لبابة إنَّ السَّماء والله لن تقلع حتى تقوم عرياناً فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال‏:‏ فقام أبو لبابة عرياناً يسد ثعلب مربده بإزاره فأقلعت السَّماء‏.‏

وهذا إسناد حسن، ولم يروه أحمد، ولا أهل الكتب، والله أعلم‏.‏

وقد وقع مثل هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطَّريق، كما قال عبد الله بن وهب‏:‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد ابن أبي هلال، عن عتبة ابن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عبَّاس أنَّه قيل لعمر بن الخطَّاب‏:‏ حدِّثنا عن شأن ساعة العسرة‏.‏

فقال عمر‏:‏ خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتَّى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرَّحل فلا يجده حتَّى يظن أن رقبته ستنقطع، حتَّى إنَّ الرَّجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده‏.‏

فقال أبو بكر الصّديق‏:‏ يا رسول الله إنَّ الله قد عوَّدك في الدُّعاء خيراً فادع الله لنا‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أوتحبُّ ذلك‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ نعم‏!‏

قال‏:‏ فرفع يديه نحو السَّماء فلم يرجعهما حتى قالت السَّماء فأطلت ثم سكبت، فملأوا ما معهم، ثمَّ ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر‏.‏

وهذا إسناد جيد قوي، ولم يخرجوه‏.‏

وقد قال الواقديّ‏:‏ كان مع المسلمين في هذه الغزوة إثنا عشر ألف بعير، ومثلها من الخيل، وكانوا ثلاثين ألفاً من المقاتلة قال‏:‏ ونزل من المطر ماء أغدق الأرض حتى صارت الغدران تسكب بعضها في بعض، وذلك في حمأة القيظ - أي شدة الحرّ البليغ - فصلوات الله وسلامه عليه، وكم له عليه السلام من مثل هذا في غير ما حديث صحيح ولله الحمد، وقد تقدم أنَّه لما دعا على قريش حين استعصت أن يسلط الله عليها سبعاً كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والكلاب والعلهز، ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعو الله لهم، فدعا لهم فرفع ذلك عنهم‏.‏

وقد قال البخاريّ‏:‏ ثنا الحسن بن محمد، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاريّ، ثنا أبي عبد الله بن المثنى، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطَّاب كان إذا قحطوا استسقى بالعبَّاس وقال‏:‏ اللَّهم إنّا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعمِّ نبينا فاسقنا‏.‏

قال‏:‏ فيسقون‏.‏

تفرَّد به البخاريّ‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/102‏)‏