فصل: صفة مخرج الحسين إلى العراق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 فصل قضاء معاوية

وكان على حرسه رجل من الموالي يقال له‏:‏ المختار، وقيل‏:‏ مالك، ويكنى أبا المخارق - مولى لحمير -‏.‏

وكان معاوية أول من اتخذ الحرس، وعلى حجابته سعد مولاه وعلى الشرطة قيس بن حمزة، ثم زُميل بن عمرو العذري، ثم الضحاك بن قيس الفهري، وكان صاحب أمره سرجون بن منصور الرومي‏.‏

وكان معاوية أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب‏.‏

وممن ذكر أنه توفي في هذه السنة - أعني‏:‏ سنة ستين -

صفوان بن المعطل بن رخصة بن المؤمل بن خزاعي أبو عمرو، وأول مشاهده المريسيع

وكان في الساقة يومئذ، وهو الذي رماه أهل الإفك بأم المؤمنين فبرأه الله وإياها مما قالوا‏.‏

وكان من سادات المسلمين، وكان ينام نوماً شديداً حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ‏.‏

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا استيقظت فصلّ‏)‏‏)‏ وقد قتل صفوان شهيداً‏.‏

أبو مسلم الخولاني

عبد بن ثُوَب الخولاني من خولان ببلاد اليمن‏.‏

دعاه الأسود العنسي إلى أن يشهد أنه رسول الله فقال له‏:‏ أتشهد أني رسول الله‏؟‏

فقال‏:‏ لا أسمع، أشهد أن محمداً رسول الله، فأجج له ناراً وألقاه فيها فلم تضره، وأنجاه الله منها فكان يشبه بإبراهيم الخليل‏.‏

ثم هاجر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فقدم على الصديق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر‏:‏ الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل، وقبّله بين عينيه، وكانت له أحوال ومكاشف والله سبحانه أعلم‏.‏

ويقال‏:‏ إنه توفي فيها‏:‏ النعمان بن بشير، والأظهر أنه مات بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى‏.‏

يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه

بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين، وكان مولده سنة ست وعشرين، فكان يوم بويع ابن أربع وثلاثين سنة، فأقر نواب أبيه على الأقاليم، لم يعزل أحداً منهم، وهذا من ذكائه‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/157‏)‏

قال هشام بن محمد الكلبي‏:‏ عن أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي الأخباري‏:‏ ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير، وأمير البصرة عبيد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية البيعة ليزيد‏.‏

فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم، من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد‏.‏

فإن معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوّله ومكن له، فعاش بقدرٍ ومات بأجلٍ فرحمه الله، فقد عاش محموداً ومات براً تقياً والسلام‏.‏

وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن الفأرة‏:‏

أما بعد‏:‏

فخذ حُسيناً، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام‏.‏

فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكَبرُ عليه، فبعث إلى مروان فقرأ عليه الكتاب واستشاره في أمر هؤلاء النفر، فقال‏:‏ أرى أن تدعوهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة، فإن أبَو ضربت أعناقهم‏.‏

فأرسل من فوره عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين وابن الزبير - وهما في المسجد - فقال لهما‏:‏ أجيبا الأمير‏.‏

فقالا‏:‏ انصرف الآن نأتيه‏.‏

فلما انصرف عنهما قال الحسين لابن الزبير‏:‏ إني أرى طاغيتهم قد هلك‏.‏

قال ابن الزبير‏:‏ وأنا ما أظن غيره‏.‏

قال‏:‏ ثم نهض حسين فأخذ معه مواليه وجاء باب الأمير، فاستأذن فأذن له، فدخل وحده، وأجلس مواليه على الباب‏.‏

وقال‏:‏ إن سمعتم أمراً يريبكم فادخلوا، فسلم وجلس ومروان عنده، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب ونعى إليه معاوية، فاسترجع وقال‏:‏ رحم الله معاوية، وعظم لك الأجر، فدعاه الأمير إلى البيعة‏.‏

فقال له الحسين‏:‏ إن مثلي لا يبايع سراً، وما أراك تجتزئ مني بهذا، ولكن إذا اجتمع الناس دعوتنا معهم فكان أمراً واحداً‏.‏

فقال له الوليد‏:‏ - وكان يحب العافية - فانصرف على اسم الله حتى تأتينا في جماعة الناس‏.‏

فقال مروان للوليد‏:‏ والله لئن فارقك ولم يبايع الساعة ليكثرن القتل بينكم وبينه، فاحبسه ولا تخرجه حتى يبايع وإلا ضربت عنقه، فنهض الحسين وقال‏:‏ يا ابن الزرقاء أنت تقتلني‏؟‏ كذبت والله وأثمت‏.‏

، ثم انصرف إلى داره، فقال مروان للوليد‏:‏ والله لا تراه بعدها أبداً‏.‏

فقال الوليد‏:‏ والله يا مروان ما أحب أن لي الدنيا وما فيها وأني قتلت الحسين، سبحان الله ‏!‏ أقتل حسيناً أن قال لا أبايع‏؟‏ والله إني لأظن أن من يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/158‏)‏

وبعث الوليد إلى عبد الله بن الزبير فامتنع عليه وماطله يوماً وليلة، ثم إن ابن الزبير ركب في مواليه واستصحب معه أخاه جعفراً، وسار إلى مكة على طريق الفُرع، وبعث الوليد خلف ابن الزبير الرجال والفرسان فلم يقدروا على رده، وقد قال جعفر لأخيه عبد الله وهما سائران متمثلاً بقول صبرة الحنظلي‏:‏

وكل بني أمٍ سيمسون ليلةً * ولم يبق من أعقابهم غير واحد

فقال‏:‏ سبحان الله ‏!‏ ما أردت إلى هذا‏؟‏

فقال‏:‏ والله ما أردت به شيئاً يسوءك‏.‏

فقال‏:‏ إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إليّ، أن قالوا وتطير به‏.‏

وأما الحسين بن علي فإن الوليد تشاغل عنه بابن الزبير وجعل كلما بعث إليه يقول‏:‏ حتى تنظر وننظر، ثم جمع أهله وبنيه‏.‏

وركب ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة، بعد خروج ابن الزبير بليلة، ولم يتخلف عنه أحد من أهله سوى محمد بن الحنفية‏.‏

فإنه قال له‏:‏ والله يا أخي لأنت أعز أهل الأرض عليّ، وإني ناصح لك لا تدخلن مصراً من هذه الأمصار، ولكن اسكن البوادي والرمال، وابعث إلى الناس، فإذا بايعوك واجتمعوا عليك فادخل المصر، وإن أبيت إلا سكنى المصر فاذهب إلى مكة، فإن رأيت ما تحب وإلا ترفعت إلى الرمال والجبال‏.‏

فقال له‏:‏ جزاك الله خيراً فقد نصحت وأشفقت‏.‏

وسار الحسين إلى مكة فاجتمع هو وابن الزبير بها، وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال‏:‏ بايع ليزيد‏.‏

فقال‏:‏ إذا بايع الناس بايعت‏.‏

فقال رجل‏:‏ إنما تريد أن تختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك‏؟‏

فقال ابن عمر‏:‏ لا أحب شيئاً مما قلت، ولكن إذا بايع الناس، فلم يبق غيري بايعت، وكانوا لا يتخوّفونه‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ لم يكن ابن عمر بالمدينة حين قدم نعي معاوية، وإنما كان هو وابن عباس بمكة فلقيهما وهما مقبلان منها الحسين وابن الزبير، فقال‏:‏ ما وراءكما‏؟‏

قالا‏:‏ موت معاوية والبيعة ليزيد بن معاوية‏.‏

فقال لهما ابن عمر‏:‏ اتقيا الله ولا تفرقا بين جماعة المسلمين، وقدم ابن عمر وابن عباس إلى المدينة، فلما جاءت البيعة من الأمصار بايع ابن عمر مع الناس‏.‏

وأما الحسين وابن الزبير فإنهما قدما مكة فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص فخافاه وقالا‏:‏ إنا جئنا عواذاً بهذا البيت‏.‏

وفى هذه السنة في رمضان منها‏:‏ عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه، وأضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة، فقدم المدينة في رمضان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/159‏)‏

وقيل‏:‏ في ذي القعدة، وكان متآلهاً متكبراً، وسلط عمرو بن الزبير - وكان عدواً لأخيه عبد الله - على حربه وجرده له، وجعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزبير‏.‏

وقد ثبت في ‏(‏الصحيحين‏)‏‏:‏ أن أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة‏:‏ إيذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح‏.‏

سمعته أذناي ووعاه قلبي حين تكلم به إنه حمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، وأنه لم يحل القتال فيها لأحد كان قبلي، ولم تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم قد صارت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏(‏‏(‏فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا‏:‏ إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم‏)‏‏)‏‏.‏

فقيل لأبي شريح‏:‏ ما قال لك‏؟‏

فقال‏:‏ قال لي نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم، ولا فاراً بخربة‏.‏

قال الواقدي‏:‏ ولىّ عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرو بن الزبير فتتبع أصحاب أخيه ومن يهوى هواه، فضربهم ضرباً شديداً حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزبير، وأنه لا بد أن يأخذ أخاه عبد الله في جامعة من فضة حتى يقدم به على الخليفة‏.‏

فضرب المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم، ضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين جلدة‏.‏

وفرَّ منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس من مكة، ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلب ابن الزبير، وأنه لا يقبل منه وإن بايع حتى يؤتى به إليّ في جامعة من ذهب أو من فضة تحت برنسه، فلا ترى إلا أنه يسمع صوتها‏.‏

وكان ابن الزبير قد منع الحارث بن خالد المخزومي من أن يصلي بأهل مكة، وكان نائب عمرو بن سعيد عليها فحينئذ صمم عمرو على تجهيز سرية إلى مكة بسبب ابن الزبير، فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير‏:‏ من يصلح أن نبعثه إلى مكة لأجل قتاله ‏؟‏‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/160‏)‏

فقال له عمرو بن الزبير‏:‏ إنك لا تبعث إليه من هو أنكى له مني‏.‏

فعينه على تلك السرية وجعل على مقدمته أُنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة مقاتل‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ إنما عينهما يزيد بن معاوية نفسه، وبعث بذلك إلى عمرو بن سعيد، فعسكر أنيس بالجرف وأشار مروان بن الحكم على عمرو بن سعيد أن لا يغزو مكة، وأن يترك ابن الزبير بها، فإنه عما قليل إن لم يقتل يمت‏.‏

فقال أخوه عمرو بن الزبير‏:‏ والله لنغزونه ولو في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم‏.‏

فقال مروان‏:‏ والله إن ذلك ليسرني‏.‏

فسار أنيس واتبعه عمرو بن الزبير في بقية الجيش - وكانوا ألفين - حتى نزل بالأبطح‏.‏

وقيل‏:‏ بداره عند الصفا، ونزل أنيس بذي طوى، فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس، ويصلي وراءه أخوه عبد الله بن الزبير‏.‏

وأرسل عمرو إلى أخيه يقول له‏:‏ برّ يمين الخليفة، وأتهِ وفي عنقك جامعة من ذهب أو فضة، ولا تدع الناس يضرب بعضهم بعضاً، واتق الله فإنك في بلد حرام‏.‏

فأرسل عبد الله يقول لأخيه‏:‏ موعدك المسجد‏.‏

وبعث عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية في سرية فاقتتلوا مع عمرو بن أنيس الأسلمي، فهزموا أنيساً هزيمة قبيحة، وتفرق عن عمرو بن الزبير أصحابه، وهرب عمرو إلى دار ابن علقمة‏.‏

فأجاره أخوه عبيدة بن الزبير، فلامه أخوه عبد الله بن الزبير وقال‏:‏ تجير من في عنقه حقوق الناس‏؟‏

ثم ضربه بكل من ضربه بالمدينة إلا المنذر بن الزبير وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا من عمرو، وسجنه ومعه عارم، فسمي سجن عارم‏.‏

وقد قيل‏:‏ إن عمرو بن الزبير مات تحت السياط والله أعلم‏.‏

قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الإمارة وكيفية مقتله

ولنبدأ قبل ذلك بشيء من ترجمته ثم نتبع الجميع بذكر مناقبه وفضائله‏.‏

هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو عبد الله، القرشي الهاشمي، السبط الشهيد بكربلاء ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء، وريحانته من الدنيا‏.‏

ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل، وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ‏.‏

وقتل يوم الجمعة، يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف رضي الله عنه‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حنكه وتفل في فيه ودعا له وسماه حسيناً، وقد كان سماه أبوه قبل ذلك حرباً‏.‏

وقيل‏:‏ جعفراً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/161‏)‏

وقيل‏:‏ إنما سماه يوم سابعه وعق عنه‏.‏

وقال جماعة‏:‏ عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه به ما بين أسفل من ذلك‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ حدثني محمد بن الضحاك الحزامي‏.‏

قال‏:‏ كان وجه الحسن يشبه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وروى محمد بن سيرين، وأخته حفصة، عن أنس‏.‏

قال‏:‏ كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين، فجعل يقول بقضيب في أنفه ويقول‏:‏ ما رأيت مثل هذا حسناً‏.‏

فقلت له‏:‏ إنه كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقال سفيان‏:‏ قلت لعبيد الله بن أبي زياد‏:‏ رأيت الحسين‏؟‏

قال‏:‏ نعم، أسود الرأس واللحية، إلا شعرات ههنا في مقدم لحيته، فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان تشبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، أولم يكن شاب منه غير ذلك ‏؟‏‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ سمعت عمر بن عطاء قال‏:‏ رأيت الحسين بن علي يصبغ بالوشمة، أما هو فكان ابن ستين سنة، وكان رأسه ولحيته شديدي السواد‏.‏

فأما الحديث الذي روي من طريقين ضعيفين أن فاطمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض الموت أن يَنْحَل ولديها شيئاً فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جُرأتي وجودي‏)‏‏)‏ فليس بصحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة‏.‏

وقد أدرك الحسين من حياة النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث‏.‏

وقال مسلم بن الحجاج‏:‏ له رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل، عن أبيه أنه قال في الحسن بن علي‏:‏ إنه تابعي ثقة، وهذا غريب فلأن يقول في الحسين إنه تابعي بطريق الأولى‏.‏

وسنذكر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمهما به، وما كان يظهر من محبتهما والحنو عليهما‏.‏

والمقصود‏:‏ أن الحسين عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راضٍ، ولكنه كان صغيراً‏.‏

ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها، في الجمل وصفين، وكان معظماً موقراً، ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل‏.‏

فلما آلت الخلافة إلى أخيه وأراد أن يصالح شق ذلك عليه ولم يسدد رأي أخيه في ذلك، بل حثّه على قتل أهل الشام‏.‏

فقال له أخوه‏:‏ والله لقد هممت أن أسجنك في بيتٍ وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك‏.‏

فلما رأى الحسين ذلك سكت وسلم، فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، ويقول لهما‏:‏ مرحباً وأهلاً، ويعطيهما عطاء جزيلاً‏.‏

وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال‏:‏ خذاها وأنا ابن هند، والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي‏.‏

فقال الحسين‏:‏ والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلاً أفضل منا‏.‏

ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/162‏)‏

ولما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممن امتنع من مبايعته، هو وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عمر، وابن عباس، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمم على ذلك‏.‏

فلما مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عباس، وصمم على المخالفة الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة فارين إلى مكة فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ويقدمون عليه ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد‏.‏

وأما ابن الزبير فإنه لزم مصلاه عند الكعبة، وجعل يتردد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرك بشيء مما في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه عليه‏.‏

غير أنه قد تعينت السرايا والبعوث إلى مكة بسببه، ولكن أظفره الله بهم كما تقدم آنفاً، فانقشعت السرايا عن مكة مفلولين وانتصر عبد الله بن الزبير على من أراد هلاكه من اليزيديين‏.‏

وضرب أخاه عمراً وسجنه واقتص منه وأهانه، وعظم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز، واشتهر أمره وبُعد صيته، ومع هذا كله ليس هو معظماً عند الناس مثل الحسين‏.‏

بل الناس إنما ميلهم إلى الحسين لأنه السيد الكبير، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس على وجه الأرض يومئذٍ أحد يساميه ولا يساويه، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه‏.‏

وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يدعونه إليهم - وذلك حين بلغهم موت معاوية وولاية يزيد، ومصير الحسين إلى مكة فراراً من بيعة يزيد - فكان أول من قدم عليه عبد الله بن سبع الهمذاني، وعبد الله بن والٍ معمها كتاب فيه السلام والتهنئة بموت معاوية‏.‏

فقدما على الحسين لعشر مضين من رمضان من هذه السنة، ثم بعثوا بعدهما نفراً منهم‏:‏ قيس بن مسهر الضدائي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكوا الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلولي، ومعهم نحو من مائة وخمسين كتاباً إلى الحسين‏.‏

ثم بعثوا هانئ بن هانئ السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي ومعهما كتاب فيه الاستعجال في السير إليهم، وكتب إليه شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث و يزيد بن رويم، وعمرو بن حجاج الزبيدي، ومحمد بن عمر بن يحيى التميمي‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/163‏)‏

أما بعد‏:‏ فقد أخضرت الجنان، وأينعت الثمار، ولطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجندة والسلام عليك‏.‏

فاجتمعت الرسل كلها بكتبها عند الحسين، وجعلوا يستحثونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضاً عن يزيد بن معاوية، ويذكرون في كتبهم أنهم فرحوا بموت معاوية، وينالون منه ويتكلمون في دولته، وأنهم لم يبايعوا أحداً إلى الآن، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم‏.‏

فعند ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى العراق، ليكشف له حقيقة هذا الأمر والاتفاق، فإن كان متحتماً وأمراً حازماً محكماً، بعث إليه ليركب في أهله وذويه، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه‏.‏

وكتب معه كتاباً إلى أهل العراق بذلك، فلما سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين فسارا به على براري مهجورة المسالك‏.‏

فكان أحد الدليلين منهما أول هالك، وذلك من شدة العطش، وقد أضلوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له‏:‏ المضيق، من بطن خبيت، فتطير به مسلم بن عقيل، فتلبث مسلم على ما هنالك ومات الدليل الآخر‏.‏

فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره، فكتب إليه يعزم عليه أن يدخل العراق، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ويستخبر خبرهم‏.‏

فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له‏:‏ مسلم بن عوسجة الأسدي‏.‏

وقيل‏:‏ نزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي فالله أعلم‏.‏

فتسامع أهل الكوفة بقدومه، فجاؤوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفاً، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفاً‏.‏

فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والأمور، فتجهز الحسين من مكة قاصداً الكوفة كما سنذكره‏.‏

وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير خّبره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحاً ولا يعبأ به، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة، وأمرهم بالائتلاف والسنة‏.‏

وقال‏:‏ إني لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب عليّ، ولا آخذكم بالظنة، ولكن والله الذي لا إله إلا هو لئن فارقتم إمامكم ونكثتم بيعته لأقاتلنكم ما دام في يدي من سيفي قائمته‏.‏

فقام إليه رجل يقال له‏:‏ عبد الله بن مسلم بن شعبة الحضرمي‏.‏

فقال له‏:‏ إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالغشمة، وإن الذي سلكته أيها الأمير مسلك المستضعفين‏.‏

فقال له النعمان‏:‏ لأن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إليّ من أن أكون من الأقوياء الأعزين في معصية الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/164‏)‏

ثم نزل فكتب ذلك الرجل إلى يزيد يعلمه بذلك، وكتب إلى يزيد عمارة بن عقبة، وعمرو بن سعد بن أبي وقاص، فبعث يزيد فعزل النعمان عن الكوفة وضمها إلى عبيد الله بن زياد مع البصرة، وذلك بإشارة سرجون مولى يزيد بن معاوية، وكان يزيد يستشيره‏.‏

فقال سرجون‏:‏ أكنت قابلاً من معاوية ما أشار به لو كان حياً‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، فوله إياها‏.‏

وكان يزيد يبغض عبيد الله بن زياد، وكان يريد أن يعزله عن البصرة، فولاه البصرة والكوفة معاً لما يريده الله به وبغيره‏.‏

ثم كتب يزيد إلى ابن زياد‏:‏ إذا قدمت الكوفة فاطلب مسلم بن عقيل، فإن قدرت عليه فاقتله أو انفه، وبعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي، فسار ابن زياد من البصرة إلى الكوفة‏.‏

فلما دخلها متلثماً بعمامة سوداء، فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قال‏:‏ سلام عليكم‏.‏

فيقولون‏:‏ وعليكم السلام مرحباً بابن رسول الله - يظنون أنه الحسين وقد كانوا ينتظرون قدومه - وتكاثر الناس عليه، ودخلها في سبعة عشر راكباً‏.‏

فقال لهم مسلم بن عمرو‏:‏ من جهة يزيد، تأخروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، فلما علموا ذلك علتهم كآبة وحزن شديد، فتحقق عبيد الله الخبر، ونزل قصر الإمارة من الكوفة‏.‏

فلما استقر أمره أرسل مولى أبي رهم - وقيل‏:‏ كان مولى له يقال له‏:‏ معقل - ومعه ثلاثة آلاف درهم في صورة قاصد من بلاد حمص، وأنه إنما جاء لهذه البيعة، فذهب ذلك المولى فلم يزل يتلطف ويستدل على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عقيل حتى دخلها، وهي دار هانئ بن عروة التي تحول إليها من الدار الأولى‏.‏

فبايع وأدخلوه على مسلم بن عقيل فلزمهم أياماً حتى اطلع على جلية أمرهم، فدفع المال إلى أبي ثمامة العامري بأمر مسلم بن عقيل - وكان هو الذي يقبض ما يؤتى به من الأموال ويشتري السلاح - وكان من فرسان العرب، فرجع ذلك المولى وأعلم عبيد الله بالدار وصاحبها‏.‏

وقد تحول مسلم بن عقيل إلى دار هانئ بن حميد بن عروة المرادي، ثم إلى دار شريك بن الأعور، وكان من الأمراء الأكابر، وبلغه أن عبيد الله يريد عيادته‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/165‏)‏

فبعث إلى هانئ يقول له‏:‏ ابعث مسلم بن عقيل حتى يكون في داري ليقتل عبيد الله إذا جاء يعودني‏.‏

فبعثه إليه فقال له شريك‏:‏ كن أنت في الخباء، فإذا جلس عبيد الله فإني أطلب الماء وهي إشارتي إليك، فاخرج فاقتله‏.‏

فلما جاء عبيد الله جلس على فراش شريك وعنده هانئ بن عروة، وقام من بين يديه غلام يقال له مهران، فتحدث عنده ساعة‏.‏

ثم قال شريك‏:‏ اسقوني، فتجبن مسلم عن قتله، وخرجت جارية بكوز من ماء، فوجدت مسلماً في الخباء فاستحيت ورجعت بالماء ثلاثاً‏.‏

ثم قال‏:‏ اسقوني، ولو كان فيه ذهاب نفسي أتحمونني من الماء‏؟‏

ففهم مهران الغدر، فغمز مولاه فنهض سريعاً وخرج‏.‏

فقال شريك‏:‏ أيها الأمير، إني أريد أن أوصي إليك‏.‏

فقال‏:‏ سأعود ‏!‏

فخرج به مولاه فأركبه وطرد به - أي ساق به - وجعل يقول له مولاه‏:‏ إن القوم أرادوا قتلك‏.‏

فقال‏:‏ ويحك إني بهم لرفيق، فما بالهم‏؟‏

وقال شريك لمسلم‏:‏ ما منعك أن تخرج فتقتله‏؟‏

قال‏:‏ حديث بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الإيمان ضد الفتك، لا يفتك مؤمن‏)‏‏)‏، وكرهت أن أقتله في بيتك‏.‏

فقال‏:‏ أَما لو قتلته لجلست في القصر لم يستعد منه أحد وليكفينك أمر البصرة، ولو قتلته لقتلت ظالماً فاجراً، ومات شريك بعد ثلاث‏.‏

ولما انتهى ابن زياد إلى باب القصر وهو متلثم ظنه النعمان بن بشير الحسين قد قدم، فأغلق باب القصر وقال‏:‏ ما أنا بمسلم إليك أمانتي‏.‏

فقال له عبيد الله‏:‏ افتح لأفتحنه، ففتح وهو يظنه الحسين، فلما تحقق أنه عبيد الله أسقط في يده، فدخل عبيد الله إلى قصر الإمارة وأمر منادياً فنادى‏:‏ إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أما بعد‏:‏

فإن أمير المؤمنين قد ولاني أمركم وثغركم وفيأكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على مريبكم وعاصيكم، وإنما أنا ممتثل فيكم أمره ومنفذ عهده‏.‏

ثم نزل وأمر العرفاء أن يكتبوا من عندهم من الزورية وأهل الريب والخلاف والشقاق، وأيما عريف لم يطلعنا على ذلك صلب أو نفي، وأسقطت عرافته من الديوان - وكان هانئ أحد الأمراء الكبار - ولم يسلم على عبيد الله منذ قدم وتمارض، فذكره عبيد الله وقال‏:‏ ما بال هانئ لم يأتني مع الأمراء‏؟‏

فقالوا‏:‏ أيها الأمير إنه يشتكي‏.‏

فقال‏:‏ إنه بلغني أنه يجلس على باب داره‏.‏

وزعم بعضهم‏:‏ أنه عاده قبل شريك بن الأعور ومسلم بن عقيل عنده، وقد هموا بقتله فلم يمكنهم هانئ لكونه في داره‏.‏

فجاء الأمراء إلى هانئ بن عروة فلم يزالوا به حتى أدخلوه على عبيد الله بن زياد، فالتفت عبيد الله إلى القاضي فقال متمثلاً بقول الشاعر‏:‏

أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد

فلما سلم هانئ على عبيد الله قال‏:‏ يا هانئ أين مسلم بن عقيل‏؟‏

قال‏:‏ لا أدري‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/166‏)‏

فقام ذلك المولى التميمي الذي دخل دار هانئ في صورة قاصد من حمص فبايع في داره، ودفع الدراهم بحضرة هانئ إلى مسلم‏.‏

فقال‏:‏ أتعرف هذا‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

فلما رآه هانئ قطع وأسقط في يده‏.‏

فقال‏:‏ أصلح الله الأمير، والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء فطرح نفسه عليَّ‏.‏

فقال عبيد الله‏:‏ فأتني به‏.‏

فقال‏:‏ والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه‏.‏

فقال‏:‏ أدنوه مني، فأدنوه فضربه بحربة على وجهه فشجه على حاجبه وكسر أنفه، وتناول هانئ سيف شرطي ليسله فدفع عن ذلك‏.‏

وقال عبيد الله‏:‏ قد أحل الله لي دمك، لأنك حروري، ثم أمر به فحبسه في جانب الدار، وجاء قومه من بني مذحج مع عمرو بن الحجاج فوقفوا على باب القصر يظنون أنه قد قتل‏.‏

فسمع عبيد الله لهم جلبة، فقال لشريح القاضي وهو عنده‏:‏ أخرج إليهم فقل لهم إن الأمير لم يحبسه إلا ليسأله عن مسلم بن عقيل‏.‏

فقال لهم‏:‏ إن صاحبكم حي، وقد ضربه سلطاننا ضرباً لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم‏.‏

فتفرقوا إلى منازلهم، وسمع مسلم بن عقيل الخبر فركب ونادى بشعاره‏:‏ يا منصور أمت‏.‏

فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، وكان معه المختار بن أبي عبيد، ومعه راية خضراء، عبد الله بن نوفل بن الحارث براية حمراء، فرتبهم ميمنة وميسرة وسار هو في القلب إلى عبيد الله، وهو يخطب الناس في أمر هانئ ويحذرهم من الاختلاف، وأشراف الناس وأمراؤهم تحت منبره‏.‏

فبينما هو كذلك إذ جاءت النظارة يقولون‏:‏ جاء مسلم بن عقيل، فبادر عبيد الله فدخل القصر ومن معه وأغلقوا عليهم الباب‏.‏

فلما انتهى مسلم إلى باب القصر وقف بجيشه هناك، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد الله في القصر، فأشاروا إلى قومهم الذين مع مسلم بالانصراف، وتهددوهم وتوعدوهم‏.‏

وأخرج عبيد الله بعض الأمراء وأمرهم أن يركبوا في الكوفة يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل، ففعلوا ذلك، فجعلت المرأة تجيء إلى ابنها وأخيها وتقول له‏:‏ ارجع إلى البيت، الناس يكفونك‏.‏

ويقول الرجل لابنه وأخيه‏:‏ كأنك غداً بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم‏؟‏

فتخاذل الناس وقصّروا وتصرّموا وانصرفوا عن مسلم بن عقيل، حتى لم يبق إلا في خمسمائة نفس‏.‏

ثم تقالّوا حتى بقي في ثلاثمائة، ثم تقالّوا حتى بقي معه ثلاثون رجلاً، فصلى بهم المغرب وقصد أبواب كندة فخرج منها في عشرة‏.‏

ثم انصرفوا عنه فبقي وحده ليس معه من يدله على الطريق، ولا من يؤانسه بنفسه، ولا من يأويه إلى منزله، فذهب على وجهه واختلط الظلام وهو وحده يتردد في الطريق لا يدري أين يذهب‏.‏

فأتى باباً فنزل عنده وطرقه، فخرجت منه امرأة يقال لها‏:‏ طوعة، كانت أم ولد للأشعث بن قيس، وقد كان لها ابن من غيره يقال له‏:‏ بلال بن أسيد، خرج مع الناس وأمه قائمة بالباب تنتظره‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/167‏)‏

فقال لها مسلم بن عقيل‏:‏ اسقني ماء فسقته، ثم دخلت وخرجت فوجدته‏.‏

فقالت‏:‏ ألم تشرب‏؟‏

قال‏:‏ بلى ‏!‏

قالت‏:‏ فاذهب إلى أهلك عافاك الله، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أجمله لك‏.‏

فقام فقال‏:‏ يا أمة الله ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة، فهل إلى أجر ومعروف وفعل نكافئك به بعد اليوم‏؟‏

فقالت‏:‏ يا عبد الله وما هو‏؟‏

قال‏:‏ أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغرّوني‏.‏

فقالت‏:‏ أنت مسلم‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قالت‏:‏ ادخل‏!‏ فأدخلته بيتاً من دارها غير البيت الذي يكون فيه وفرشت له، وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، فلم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول والخروج، فسألها عن شأنها‏.‏

فقالت‏:‏ يا بني اله عن هذا، فألح عليها فأخذت عليه أن لا يحدث أحداً، فأخبرته خبر مسلم، فاضطجع إلى الصباح ساكتاً لا يتكلم‏.‏

وأما عبيد الله بن زياد فإنه نزل من القصر بمن معه من الأمراء والأشراف بعد العشاء الآخرة، فصلى بهم العشاء في المسجد الجامع‏.‏

ثم خطبهم وطلب منهم مسلم بن عقيل وحث على طلبه، ومن وجد عنده ولم يعلم به فدمه هدر، ومن جاء به فله ديته، وطلب الشرط وحثهم على ذلك وتهددهم‏.‏

فلما أصبح ابن تلك العجوز ذهب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأعلمه بأن مسلم بن عقيل في دارهم، فجاء عبد الرحمن فسارّ أباه بذلك وهو عند ابن زياد‏.‏

فقال ابن زياد‏:‏ ما الذي سارّك به‏؟‏

فأخبره الخبر فنخس بقضيب في جنبه وقال‏:‏ قم فأتني به الساعة‏.‏

وبعث ابن زياد عمر بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطته - ومعه عبد الرحمن، ومحمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارساً، فلم يشعر مسلم إلا وقد أحيط بالدار التي هو فيها‏.‏

فدخلوا عليه فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرات، وأصيبت شفته العليا والسفلى‏.‏

ثم جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب فضاق بهم ذرعاً، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم‏.‏

فأعطاه عبد الرحمن الأمان فأمكنه من يده، وجاؤوا ببغلة فأركبوه عليها وسلبوا عنه سيفه، فلم يبق يملك من نفسه شيئاً‏.‏

فبكى عند ذلك وعرف أنه مقتول، فيئس من نفسه، وقال‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

فقال بعض من حوله‏:‏ إن من يطلب مثل الذي تطلب لا يبكي إذا نزل به هذا‏.‏

فقال‏:‏ أما والله لست أبكي على نفسي، ولكن أبكي على الحسين، وآل الحسين، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمس من مكة، ثم التفت إلى محمد بن الأشعث فقال‏:‏ إن استطعت أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره بالرجوع فافعل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/168‏)‏

فبعث محمد بن الأشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدق الرسول في ذلك، وقال‏:‏ كل ما حم الإله واقع‏.‏

قالوا‏:‏ ولما انتهى مسلم بن عقيل إلى باب القصر، إذا على بابه جماعة من الأمراء من أبناء الصحابة ممن يعرفهم ويعرفونه، ينتظرون أن يؤذن لهم على ابن زياد، ومسلم مخضب بالدماء في وجهه وثيابه، وهو مثخن بالجراح، وهو في غاية العطش، وإذا قلة من ماء بارد هنالك فأراد أن يتناولها ليشرب منها‏.‏

فقال له رجل من أولئك‏:‏ والله لا تشرب منها حتى تشرب من الحميم‏.‏

فقال له‏:‏ ويلك يا ابن ناهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار الجحيم مني‏.‏

ثم جلس فتساند إلى الحائط من التعب والكلال والعطش، فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط مولى له إلى داره فجاء بقلة عليها منديل، ومعه قدح‏.‏

فجعل يفرغ له في القدح ويعطيه فيشرب فلا يستطيع أن يسيغه من كثرة الدماء التي تعلو على الماء مرتين أو ثلاثاً، فلما شرب سقطت ثناياه مع الماء‏.‏

فقال‏:‏ الحمد لله لقد كان بقي لي من الرزق المقسوم شربة ماء‏.‏

ثم أدخل على ابن زياد، فلما وقف بين يديه لم يسلم عليه‏.‏

فقال له الحرسي‏:‏ ألا تسلم على الأمير‏؟‏ ‏!‏

فقال‏:‏ لا ‏!‏ إن كان يريد قتلي فلا حاجة لي بالسلام عليه، وإن لم يرد قتلي فسأسلم عليه كثيراً‏.‏

فأقبل ابن زياد عليه فقال‏:‏ إيه يا ابن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم، وتحمل بعضهم على قتل بعض‏؟‏

قال‏:‏ كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب‏.‏

قال‏:‏ وما أنت وذاك يا فاسق‏؟‏ لم لا كنت تعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر ‏؟‏‏.‏

فقال‏:‏ أنا أشرب الخمر‏؟‏ ‏!‏ والله إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأنت أحق بذلك مني، فإني لست كما ذكرت، وإن أولى بها مني من يلغ في دماء المسلمين ولغاً، ويقتل النفس التي حرم الله بغير نفس، ويقتل على الغضب والظن، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئاً‏.‏

فقال له ابن زياد‏:‏ يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونك ودونه، ولم يرك أهله‏.‏

قال‏:‏ فمن أهله يا ابن زياد‏؟‏

قال‏:‏ أمير المؤمنين يزيد‏.‏

قال‏:‏ الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكماً بيننا وبينكم‏.‏

قال‏:‏ كأنك تظن أن لكم في الأمر شيئاً‏؟‏

قال‏:‏ لا والله ما هو بالظن ولكنه اليقين‏.‏

قال له‏:‏ قتلني الله إن لم أقتلك قتلةً لم يقتلها أحد في الإسلام من الناس‏.‏

قال‏:‏ أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه، أما إنك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السيرة المكتسبة عن كتابكم وجهالكم‏.‏

وأقبل ابن زياد يشتمه، ويشتم حسيناً وعلياً، ومسلم ساكت لا يكلمه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/169‏)‏

رواه ابن جرير، عن أبي مخنف وغيره من رواة الشيعة‏.‏

ثم قال له ابن زياد‏:‏ إني قاتلك‏.‏

قال‏:‏ كذلك‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ فدعني أوصي إلى بعض قومي‏.‏

قال‏:‏ أوص‏.‏

فنظر في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص‏.‏

فقال‏:‏ يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، وهي سر فقم معي إلى ناحية القصر حتى أقولها لك‏.‏ فأبى أن يقوم معه حتى أذن له ابن زياد‏.‏

فقام فتنحى قريباً من ابن زياد، فقال له مسلم‏:‏ إنّ عليّ ديناً في الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني، واستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين، فإني كنت كتبت إليه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلاً‏.‏

فقام عمر فعرض على ابن زياد ما قال له، فأجاز ذلك له كله‏.‏

وقال‏:‏ أما الحسين فإنه لم يردنا لا نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه‏.‏

ثم أمر ابن زياد بمسلم بن عقيل فأصعد إلى أعلا القصر، وهو يكبر ويهلل ويسبح ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ويقول‏:‏ اللهم احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا‏.‏

ثم ضرب عنقه رجل يقال له‏:‏ بكير بن حمران، ثم ألقي رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع رأسه بجسده‏.‏

ثم أمر بهانئ بن عروة المذحجي فضربت عنقه بسوق الغنم، وصُلب بمكان من الكوفة يقال له‏:‏ الكناسة‏.‏

فقال رجل شاعر في ذلك قصيدة‏:‏

فان كنتِ لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل

أصابهما أمر الإمام فأصبحا * أحاديث من يغشى بكل سبيل

إلى بطلٍ قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوي في طمار قتيل

ترى جسداً قد غير الموت لونه * ونضح دمٍ قد سال كلّ مسيل

فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم * فكونوا بغياً أرضيت بقليل

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/170‏)‏

ثم إن ابن زياد قتل معهما أناساً آخرين، ثم بعث برؤوسهما إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، وكتب له كتاباً صورة ما وقع من أمرهما‏.‏

وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلها خطبة بليغة، ووعظهم فيها وحذرهم، وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرق‏.‏

وذلك لما رواه هشام بن الكلبي وأبو مخنف، عن الصقعب بن زهير، عن أبي عثمان النهدي‏.‏

قال‏:‏ بعث الحسين مع مولى له يقال له‏:‏ سلمان كتاباً إلى أشراف أهل البصرة فيه‏:‏

أما بعد‏:‏

فإن الله اصطفى محمداً على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه، وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس به وبمقامه في الناس‏.‏

فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم‏.‏

وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمري، فإن فعلتم أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله‏.‏

وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرز بكلام مريد من بعض رواة الشيعة‏.‏

قال‏:‏ فكل من قرأ ذلك من الأشراف كتمه إلا المنذر بن الجارود فإنه ظن أنه دسيسة من ابن زياد، فجاء به إليه، فبعث خلف الرسول الذي جاء به من حسين فضرب عنقه، وصعد عبيد الله بن زياد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أما بعد‏:‏

فوالله ما بي تقرن الصعبة، وما يقعقع لي بالشنان، وإني لنكال لمن عاداني، وسهام لمن حاربني، أنصف القارة من رماها‏.‏

يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غادٍ إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/171‏)‏

حتى يستقيم لي الأمر، ولا يكن فيكم مخالف ولا مشاقق، أنا ابن زياد أشبهته من بين مَنْ وطئ الحصى، ولم يتنزعني شبه خالٍ ولا عمٍ‏.‏

ثم خرج من البصرة ومعه مسلم بن عمرو الباهلي فكان من أمره ما تقدم‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ عن الصقعب بن زهير، عن عون بن جحيفة قال‏:‏ كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، وقتل يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجة، وذلك يوم عرفة سنة ستين‏.‏

وكان ذلك بعد مخرج الحسين من مكة قاصداً أرض العراق بيوم واحد، وكان خروج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة بقية شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة‏.‏

وخرج من مكة لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية‏.‏

وفي رواية ذكرها ابن جرير‏:‏ أن مسلم بن عقيل لما بكى قال له عبيد الله بن عباس السلمي‏:‏ إن من يطلب مثل ما تطلب لا يبكي إذ أنزل به مثل الذي نزل بك‏.‏

قال‏:‏ إني والله ما لنفسي أبكي، ومالها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفاً، ولكنني أبكي لأهلي المقبلين إلى الكوفة، أبكي الحسين وآل حسين‏.‏

ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال‏:‏ يا عبد الله ‏!‏ إني والله أراك ستعجز عن أماني، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث رجلاً على لساني يبلغ حسيناً عني رسالة‏؟‏

فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم أو غداً هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جزعي لذلك، فتقول له‏:‏ إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير لا يدري أيصبح أم يمسي حتى يقتل‏.‏

وهو يقول لك‏:‏ ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني، وليس لكاذب رأي‏.‏

فقال ابن الأشعث‏:‏ والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أني قد أمنتك‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ فدعا محمد بن الأشعث إياس بن العباس الطائي من بني مالك بن ثمامة - وكان شاعراً - فقال له‏:‏ اذهب فالق حسيناً فأبلغه هذا الكتاب - وكتب فيه الذي أمره به ابن عقيل - ثم أعطاه راحلة وتكفل له بالقيام بأهله وداره‏.‏

فخرج حتى لقي الحسين بزبالة، لأربع ليال من الكوفة فأخبره الخبر وأبلغه الرسالة‏.‏

فقال الحسين‏:‏ كل ما حم نازل، عند الله نحتسب وأنفسنا وفساد أئمتنا‏.‏

ولما انتهى مسلم إلى باب القصر وأراد شرب الماء قال له مسلم بن عمرو الباهلي‏:‏ أتراها ما أبردها‏؟‏ والله لا تذوقها أبداً حتى تذوق الحميم في نار جهنم‏.‏

فقال ابن عقيل‏:‏ ويحك من أنت‏؟‏

قال‏:‏ أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/172‏)‏

فقال له مسلم‏:‏ لأمك الويل ‏!‏ ما أجفاك وأفظّك، وأغلظك يا ابن ناهلة ‏!‏‏!‏ أنت والله أولى بالحميم ونار الجحيم‏.‏

 صفة مخرج الحسين إلى العراق

لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه، وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عقيل، والحسين لا يعلم بشيء من ذلك‏.‏

بل قد عزم على المسير إليهم، والقدوم عليهم، فاتفق خروجه من مكة أيام التروية قبل مقتل مسلم بيوم واحد - فإن مسلماً قتل يوم عرفة - ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكره ما جرى لأبيه وأخيه معهم‏.‏

قال سفيان بن عيينة‏:‏ عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس‏.‏

قال‏:‏ استشارني الحسين بن علي في الخروج‏.‏

فقلت‏:‏ لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب‏.‏

فكان الذي ردّ عليّ أن قال‏:‏ لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إليّ من أن أقتل بمكة‏.‏

قال‏:‏ فكان هذا الذي سلَّى نفسي عنه‏.‏

وروى أبو مخنف‏:‏ عن الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان‏:‏ أن حسيناً لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه ابن عباس فقال‏:‏ يا ابن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع‏؟‏

فقال‏:‏ إني قد أجمعت المسير في أحد يوميّ هذين إن شاء الله تعالى‏.‏

فقال له ابن عباس‏:‏ أخبرني إن كان قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك‏.‏

فقال الحسين‏:‏ إني أستخير الله وأنظر ما يكون‏.‏

فخرج ابن عباس عنه، ودخل ابن الزبير فقال له‏:‏ ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، أخبرني ما تريد أن تصنع ‏؟‏‏.‏

فقال الحسين‏:‏ والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلىّ شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم، وأستخير الله‏.‏

فقال ابن الزبير‏:‏ أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها‏.‏

فلما خرج من عنده، قال الحسين‏:‏ قد علم ابن الزبير أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوا بي غيري، فود أني خرجت لتخلو له‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/173‏)‏

فلما كان من العشي أو من الغد، جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له‏:‏ يا ابن عم ‏!‏ إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصوناً وشعاباً، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب‏.‏

فقال الحسين‏:‏ يا ابن عم ‏!‏ والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير‏.‏

فقال له‏:‏ فإن كنت ولا بد سائراً فلا تسر بأولادك ونسائك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه‏.‏

ثم قال ابن عباس‏:‏ أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز، فوالله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليّ وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك‏.‏

قال‏:‏ ثم خرج من عنده فلقي ابن الزبير فقال‏:‏ قرت عينك يا ابن الزبير‏؟‏ ثم قال‏:‏

يالك من قنبرةٍ بمعمرٍ * خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري * صيادك اليوم قتيل فابشري

ثم قال ابن عباس‏:‏ هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز‏.‏

وقال غير واحد‏:‏ عن شبابة بن سوار‏.‏

قال‏:‏ حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي‏.‏

قال‏:‏ سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر‏:‏ أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليالٍ، فقال‏:‏ أين تريد‏؟‏

قال‏:‏ العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال‏:‏ هذه كتبهم وبيعتهم‏.‏

فقال‏:‏ لا تأتهم؛ فأبى‏.‏

فقال ابن عمر‏:‏ إني محدثك حديثاً، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والله ما يليها أحد منكم أبداً؛ وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع‏.‏

قال‏:‏ فاعتنقه ابن عمر وبكى قال‏:‏ أستودعك الله من قتيل‏.‏

وقال يحيى بن معين‏:‏ حدثنا أبو عبيدة، ثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن مينا‏.‏

قال‏:‏ سمعت عبد الله بن عمرو يقول‏:‏ عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني، ببني هاشم فتح هذا الأمر، وببني هاشم يختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان‏.‏

قلت‏:‏ وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نص عليه غير واحد من الأئمة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/174‏)‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدثنا أبو بكر الحميدي، ثنا أبو سفيان، ثنا عبد الله بن شريك، عن بشر بن غالب‏.‏

قال‏:‏ قال ابن الزبير للحسين‏:‏ أين تذهب‏؟‏ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك‏؟‏

فقال‏:‏ لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إليّ من أن تستحل بي - يعني‏:‏ مكة -‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ حدثني عمي مصعب بن عبد الله أخبرني من سمع هشام بن يوسف يقول عن معمر قال‏:‏ سمعت رجلاً يحدّث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير‏:‏ أتتني بيعة أربعين ألفاً يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي‏.‏

فقال له ابن الزبير‏:‏ أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك‏؟‏

قال هشام‏:‏ فسألت معمراً عن الرجل فقال‏:‏ هو ثقة‏.‏

قال الزبير‏:‏ وقال عمي‏:‏ وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي قال هذا‏.‏

وقد ساق محمد بن سعد كاتب الواقدي هذا سياقاً حسناً مبسوطاً‏.‏

فقال‏:‏ أنبأنا علي بن محمد، عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر، عن أبيه، وعن لوط يحيى العامري، عن محمد بن بشير الهمداني وغيره، وعن محمد بن الحجاج، عن عبد الملك بن عمير، عن هارون بن عيسى، عن يونس بن إسحاق، عن أبيه، وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي‏.‏

قال محمد بن سعد‏:‏ وغير هؤلاء قد حدثني أيضاً في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رضي الله عنه وأرضاه‏.‏

قالوا‏:‏ لما بايع الناس معاوية ليزيد كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم‏.‏

فقال له الحسين‏:‏ إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الإقامة عنهم‏.‏

فجاءه أبو سعيد الخدري فقال‏:‏ يا أبا عبد الله ‏!‏ إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة‏:‏ والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف‏.‏

قال‏:‏ وقدم المسيب بن عتبة الفزاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا‏:‏ قد علمنا رأيك ورأي أخيك‏.‏

فقال‏:‏ إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه الكف، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين‏.‏

وكتب مروان إلى معاوية‏:‏ إني لست آمن أن يكون حسين مرصداً للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلاً‏.‏

فكتب معاوية إلى الحسين‏:‏ إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك‏.‏

فكتب إليه الحسين‏:‏ أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لا يهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافاً، وما أظن لي عند الله عذراً في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/175‏)‏

فقال معاوية‏:‏ إن أثرنا بأبي عبد الله إلا شراً‏.‏

وكتب إليه معاوية أيضاً في بعض ما بلغه عنه‏:‏ إني لأظن أن في رأسك نزوة، فوددت أني أدركها فأغفرها لك‏.‏

قالوا‏:‏ فلما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به، فقال له‏:‏ انظر حسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصِلْ رحمه، وارفق به، يصلح لك أمره، فإن يكن منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه‏.‏

وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس يزيد، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤي، إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة‏:‏ أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إليّ في أمره الرفق به واستصلاحه‏.‏

فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة ليزيد بن معاوية‏.‏

فقالا‏:‏ إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وقالا‏:‏ هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث له عزم ولا مروءة‏.‏

وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين وأخذ عمامته فنزعها من رأسه‏.‏

فقال الوليد‏:‏ إن هجنا بأبي عبد الله إلا شراً‏.‏

فقال له مروان - أو بعض جلسائه - اقتله‏.‏

فقال‏:‏ إن ذلك لدم مضنون به مصون في بني عبد مناف‏.‏

قالوا‏:‏ وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا‏.‏

فقال المسور بن مخرمة‏:‏ عجل الحسين وابن الزبير يلفته ويرجيه ليخلو بمكة، فقدما مكة فنزل الحسين دار العباس، ولزم ابن الزبير الحجر، ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول‏:‏ هم شيعتك وشيعة أبيك‏.‏

وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك، وقال له عبد الله بن مطيع‏:‏ إني فداؤك وأبي وأمي، فأمتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيداً وخولاً‏.‏

قالوا‏:‏ ولقيهما عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وابن أبي ربيعة بالأبواء، منصرفين من العمرة‏.‏

فقال لهما ابن عمر‏:‏ أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا فإن اجتمع الناس عليه فلم تشذا، وإن افترقوا عليه كان الذي تريدان‏.‏

وقال ابن عمر للحسين‏:‏ لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني‏:‏ الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول‏:‏ غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير‏.‏

وقال له ابن عباس‏:‏ وأين تريد يا ابن فاطمة‏؟‏

فقال‏:‏ العراق وشيعتي‏.‏

فقال‏:‏ إني لكاره لوجهك هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم‏؟‏ أذكرك الله أن تغرر بنفسك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/176‏)‏

وقال أبو سعيد الخدري‏:‏ غلبني الحسين على الخروج، وقلت له‏:‏ اتق الله في نفسك والزم بيتك ولا تخرج على إمامك‏.‏

وقال أبو واقد الليثي‏:‏ بلغني خروج الحسين بن علي فأدركته بملل، فناشدته الله أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه‏.‏

فقال‏:‏ لا أرجع‏.‏

وقال جابر بن عبد الله‏:‏ كلمت حسيناً فقلت‏:‏ اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم، فعصاني‏.‏

وقال سعيد بن المسيب‏:‏ لو أن حسيناً لم يخرج لكان خيراً له‏.‏

وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن‏:‏ وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير‏.‏

وكتب إليه المسور بن مخرمة‏:‏ إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير‏:‏ الحق بهم فإنهم ناصروك‏.‏

وقال له ابن عباس‏:‏ لا تبرح الحرم، فإنهم إن كانت بهم إليك حاجة فسيضربون إليك أباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة‏.‏

فجزاه خيراً وقال‏:‏ أستخير الله في ذلك‏.‏

وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه‏.‏

وتقول‏:‏ أشهد لسمعت عائشة تقول‏:‏ إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يقتل الحسين بأرض بابل‏)‏‏)‏‏.‏

فلما قرأ كتابها قال‏:‏ فلا بد لي إذا من مصرعي ومضى‏.‏

وأتاه بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له‏:‏ يا ابن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك‏.‏

فقال‏:‏ جزاك الله يا ابن عم خيراً، مهما يقضي الله من أمر يكن‏.‏

فقال أبو بكر‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، نحتسب أباه عبد الله عند الله‏.‏

وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتاباً يحذره أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم‏.‏

فكتب إليه الحسين‏:‏ إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بأمر وأنا ماضٍ له، ولست بمخبر بها أحداً حتى ألاقي عملي‏.‏

وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين‏:‏ إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإني أعيذك الله من الشقاق، فإنك إن كنت خائفاً فأقبل إليّ، فلك عندي الأمان والبر والصلة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/177‏)‏

فكتب إليه الحسين‏:‏ إن كنت أردت بكتابك بري وصلتي فجزيت خيراً في الدنيا والآخرة، وأنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أماناً يوم القيامة عنده‏.‏

قالوا‏:‏ وكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة، وأحسبه قد جاءه رجال من أهل المشرق فمنوه الخلافة، وعندك منهم خبر وتجربة، فإن كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة‏.‏

وكتب لهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش‏:‏

يا أيها الراكب العادي مطيته * على غدافرةٍ في سيرها فحم

أبلغ قريشاً على نأي المزار بها * بيني وبين حسين الله والرحم

وموقف بفناء البيت أنشده * عهد الإله وما توفي به الذمم

عنيتم قومكم فخراً بأمكم * أم لعمري حصان برة كرم

هي التي لا يداني فضلها أحدٌ * بنت الرسول وخير الناس قد علموا

وفضلها لكم فضل وغيركم * من قومكم لهم في فضلها قسم

إني لأعلم أو ظناً كعالمه * والظن يصدق أحياناً فينتظم

أن سوف يترككم ما تدعون بها * قتلى تهاداكم العقبان والرخم

يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ مسكت * ومسكوا بحبال السلم واعتصموا

قد جرب الحرب من قد كان قبلكم * من القرون وقد باذت بها الأمم

فانصفوا قومكم لا تهلكوا برحاً * فرب ذي برحٍ زلت به القدم

قال‏:‏ فكتب إليه ابن عباس‏:‏ إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما تجتمع به الألفة وتطفي به الثائرة‏.‏

ودخل ابن عباس على الحسين فكلمه طويلاً وقال له‏:‏ أنشدك أن تهلك غداً بحال مضيعة لا تأتي العراق، وإن كنت لا بد فاعلاً فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/178‏)‏

فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس‏:‏ والله إني لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لأخاف أن تكون أنت الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

فقال له الحسين‏:‏ أبا العباس إنك شيخ قد كبرت‏.‏

فقال له ابن عباس‏:‏ لولا أن يزري ذلك بي وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تباصينا أقمت لفعلت، ولكن لا أخال ذلك مانعك‏.‏

فقال الحسين‏:‏ لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إليّ من أن أقتل بمكة وتستحل بي‏.‏

قال‏:‏ فبكى ابن عباس وقال‏:‏ أقررت عين ابن الزبير بذلك، وذلك الذي سلى نفسي عنه‏.‏

قال‏:‏ ثم خرج ابن عباس عنه وهو مغضب وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال‏:‏ يا ابن الزبير قد أتى ما أحببت، قرت عينك، هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز، ثم قال‏:‏

يالكِ من قنبرةٍ بمعمر * خلا لك الجو فبيضي واصفري

ونقري ما شئت أن تنقري * صيادك اليوم قتيل فأبشري

قال‏:‏ وبعث الحسين إلى المدينة يقدم عليه من خفّ من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلاً ونساء وصبيان من إخوته وبناته ونسائه، وتبعهم محمد بن الحنفية، فأدرك حسيناً بمكة، فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا‏.‏

فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد بن الحنفية ولده فلم يبعث أحداً منهم حتى وجد الحسين في نفسه على محمد، وقال‏:‏ ترغب بولدك عن موضع أُصاب فيه‏؟‏

فقال‏:‏ وما حاجتي إلى أن تصاب ويصابون معك‏؟‏

وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم‏؟‏

قالوا‏:‏ وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجهاً إليهم في أهل بيته وستين شخصاً من أهل الكوفة صحبته، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة‏.‏

فكتب مروان إلى ابن زياد‏:‏ أما بعد فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر، والسلام‏.‏

وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص‏:‏ أما بعد فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبداً تسترق كما يسترق العبيد‏.‏

وقال الزبير بن بكار‏:‏ حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه‏.‏

قال‏:‏ كتب يزيد إلى ابن زياد‏:‏ إنه قد بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما ترق العبيد وتعبّد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه‏.‏

قلت‏:‏ والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/179‏)‏

وفي رواية‏:‏ أن يزيد كتب إلى ابن زياد‏:‏ قد بلغني أن الحسين قد توجه إلى نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ في كل ما يحدث من خبر والسلام‏.‏

قال الزبير بن بكار‏:‏ وحدثني محمد بن الضحاك قال‏:‏ لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام وقال‏:‏

لا ذعرت السوام في فلق الصبح * مغيراً ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيماً * والمنايا ترصدنني أن أحيدا

وقال أبو مخنف‏:‏ قال أبو جناب يحيى بن أبي خيثمة‏:‏ عن عدي بن حرملة الأسدي، عن عبد الله بن سليم، والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا‏:‏ خرجنا حاجين من الكوفة فقدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين وابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين‏:‏ إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر فوازرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك‏؟‏

فقال الحسين‏:‏ إن أبي حدثني أن لها كبشاً يستحل حرمتها يقتل، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش‏.‏

فقال له ابن الزبير‏:‏ فأقم إن شئت وولني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى‏.‏

فقال‏:‏ وما أريد هذا أيضاً‏.‏

ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دُعَاةَ الناس متوجهين إلى منى عند الظهيرة‏.‏

قالا‏:‏ فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصَّر من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحن مع الناس إلى منى‏.‏

وقال أبو مخنف‏:‏ حدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عقبة بن سمعان‏.‏

قال‏:‏ لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد - يعني‏:‏ نائب مكة - عليهم أخوه يحيى بن سعيد، فقالوا له‏:‏ انصرف أين تريد‏؟‏

فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط والعصي، ثم إن حسيناً وأصحابه امتنعوا منهم امتناعاً قوياً، ومضى الحسين على وجهه ذلك، فناداه‏:‏ يا حسين ألا تتقي الله‏؟‏

تخرج من الجماعة وتفرق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة‏؟‏

قال‏:‏ فتأول الحسين هذه الآية‏:‏ ‏{‏لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 41‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/180‏)‏

قال‏:‏ ثم إن الحسين مر بالتنعيم فلقي بها عيراً قد بعث بها بجير بن زياد الحميري نائب اليمن قد أرسلها من اليمن إلى يزيد بن معاوية، عليها ورس وحلل كثيرة، فأخذها الحسين وانطلق بها، واستأجر أصحاب الجمال عليها إلى الكوفة، ودفع إليهم أجرتهم‏.‏

ثم ساق أبو مخنف بإسناده الأول‏:‏ أن الفرزدق لقي الحسين في الطريق فسلم عليه وقال له‏:‏ أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب‏.‏

فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه فقال له‏:‏ قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء‏.‏

فقال له‏:‏ صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدّ من كان الحق نيته، والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته وقال‏:‏ السلام عليكم ثم افترقا‏.‏

وقال هشام بن الكلبي‏:‏ عن عوانة بن الحكم، عن ليطة بن غالب بن الفرزدق، عن أبيه‏.‏

قال‏:‏ حججت بأمي فبينما أنا أسوق بها بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسين خارجاً من مكة معه أسيافه وأتراسه، فقلت له‏:‏ بأبي وأمي يا بن رسول الله، ما أعجلك عن الحج‏؟‏

فقال‏:‏ لو لم أعجل لأخِذتُ، ثم سألني ممن أنت‏؟‏

فقلت‏:‏ امرؤ من العراق، فسألني عن الناس فقلت له‏:‏ القلوب معك والسيوف مع بني أمية، وذكر نحو ما تقدم‏.‏

قال الفرزدق‏:‏ وسألت الحسين عن أشياء وعن المناسك فأخبرني بها، قال‏:‏ وإذا هو ثقيل اللسان من برسام كان أصابه بمن بالعراق‏.‏

قال‏:‏ ثم مضيت فإذا فسطاط مضروب في الحرم وهيئة حسنه، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني فأخبرته أني لقيت الحسين، قال‏:‏ فهلا أتبعته‏؟‏ فإن الحسين لا يحيك فيه السلاح ولا يجوز فيه وفي أصحابه‏.‏

فندم الفرزدق وهمَّ أن يلحق به، ووقع في قلبه مقالة ابن عمرو، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق به‏.‏

فلما بلغه أنه قتل لعن ابن عمرو، وكان ابن عمرو يقول‏:‏ والله لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يبلغ هذا الأمر ويظهر، وإنما أراد ابن عمرو بقوله‏:‏ لا يحيك فيه السلاح، أي‏:‏ السلاح الذي لم يقدر أن يقتل به‏.‏

وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏

وقيل‏:‏ أراد الهزل بالفرزدق‏.‏

قالوا‏:‏ ثم سار الحسين لا يلوي على شيء حتى نزل ذات عرق‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/181‏)‏

قال أبو مخنف‏:‏ فحدثني الحارث بن كعب الوالبي، عن على بن الحسين بن علي‏.‏

قال‏:‏ لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر إلى الحسين مع ابنه عون ومحمد‏:‏

أما بعد‏:‏

فإني أسائلك بالله لما انصرفت حتى تنظر في كتابي هذا، فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الإسلام، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في أثر كتابي والسلام‏.‏

ثم نهض عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد نائب مكة، فقال له‏:‏ اكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان، وتمنيه في البر والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع‏.‏

فقال له عمرو‏:‏ اكتب عني ما شئت وأتني به حتى أختمه‏.‏

فكتب ابن جعفر على لسان عمرو بن سعيد ما أراد عبد الله، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو فختمه بخاتمة، وقال عبد الله لعمرو بن سعيد‏:‏ ابعث معي أمانك، فبعث معه أخاه يحيى، فانصرفا حتى لحقا الحسين فقرآ عليه الكتاب فأبى أن يرجع وقال‏:‏ إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقد أمرني فيها بأمر وأنا ماضٍ له‏.‏

فقالا‏:‏ وما تلك الرؤيا‏؟‏

فقال‏:‏ لا أحدث بها أحداً حتى ألقى ربي عز وجل‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ وحدثني محمد بن قيس‏:‏ أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن ذي الرمة، بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقنا، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر‏.‏

وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتموا أمركم وجدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏.‏

قال‏:‏ وكان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة، ومضمونه‏:‏

أما بعد‏:‏

فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا والسلام عليكم‏.‏

قال‏:‏ وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد فقال له ابن زياد‏:‏ اصعد إلى أعلا القصر فسب الكذاب ابن الكذاب علي بن أبي طالب وابنه الحسين‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/182‏)‏

فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال‏:‏ أيها الناس ‏!‏ إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة، فأجيبوه واسمعوا له وأطيعوا‏.‏

ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي والحسين‏.‏

فأمر به ابن زياد فأُلقي من رأس القصر فتقطع، ويقال‏:‏ بل تكسرت عظامه وبقي فيه بقية رمق، فقام إليه عبد الملك بن عمير البجلي فذبحه‏.‏

وقال‏:‏ إنما أردت إراحته من الألم‏.‏

وقيل‏:‏ إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير وليس به، وفي رواية‏:‏ أن الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن بقطر أخو الحسين من الرضاعة، فأُلقي من أعلى القصر، والله أعلم‏.‏

ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ولا يعلم بشيء مما وقع من الأخبار‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ عن أبي علي الأنصاري، عن بكر بن مصعب المزني‏.‏

قال‏:‏ وكان الحسين لا يمر بماء من مياه العرب إلا اتبعوه‏.‏

قال‏:‏ قال أبو مخنف‏:‏ عن أبي جناب، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم، والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا‏:‏ لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين، فأدركناه وقد مر برجل من بني أسد فهمّ الحسين أن يكلمه ويسأله ثم ترك، فجئنا ذلك الرجل فسألناه عن أخبار الناس فقال‏:‏ والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق‏.‏

قالا‏:‏ فلحقنا الحسين فأخبرناه، فجعل يقول‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون مراراً‏.‏

فقلنا له‏:‏ الله الله في نفسك‏.‏

فقال‏:‏ لا خير في العيش بعدهما‏.‏

قلنا‏:‏ خار الله لك‏.‏

وقال له بعض أصحابه‏:‏ والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قد قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع‏.‏

وقال غيرهما‏:‏ لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عقيل، وثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب وقالوا‏:‏ لا والله لا ترجع حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا‏.‏

فسار الحسين حتى إذا كان بزرود بلغه أيضاً مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر، فقال‏:‏ خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه، وليس عليه منا ذمام‏.‏

قال‏:‏ فتفرق الناس عنه أيادي سباً يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة، وإنما فعل ذلك لأنه ظن أن من اتبعه من الأعراب إنما اتبعوه لأنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون، وقد علم أنه إذا بينّ لهم الأمر لم يصحبه إلا من يريد مواساته في الموت معه‏.‏

قال‏:‏ فلما كان السحر أمر فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه، ثم سار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/183‏)‏

وقال محمد بن سعد‏:‏ حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك قال‏:‏ حدثني من شافه الحسين قال‏:‏ رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت‏:‏ لمن هذه‏؟‏

قالوا‏:‏ هذه لحسين‏.‏

قال‏:‏ فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته‏.‏

قال‏:‏ قلت بأبي وأمي يا بن بنت رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد‏؟‏

فقال‏:‏ هذه كتب أهل الكوفة إليّ ولا أراهم إلا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة - يعني‏:‏ مقنعتها -‏.‏

وأخبرنا علي بن محمد، عن الحسن بن دينار، عن معاوية بن قرة‏.‏

قال‏:‏ قال الحسين‏:‏ والله لتعتدنّ عليّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت‏.‏

وحدثنا علي بن محمد، عن جعفر بن سليمان الضبعي‏.‏

قال‏:‏ قال الحسين‏:‏ والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة‏.‏

فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدثنا أبو بكر الحميدي، ثنا سفيان، ثنا شهاب بن حراش، عن رجل من قومه‏.‏

قال‏:‏ كنت في الجيش الذين بعثهم ابن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال الديلم، فعينهم ابن زياد وصرفهم إلى قتال الحسين، فلقيت حسيناً فرأيته أسود الرأس واللحية‏.‏

فقلت له‏:‏ السلام عليك أبا عبد الله‏.‏

فقال‏:‏ وعليك السلام - وكانت فيه غنة -‏.‏

فقال‏:‏ لقد باتت فيكم سللة منذ الليلة - يعني‏:‏ سراقاً -‏.‏

قال شهاب‏:‏ فحدثت به زيد بن علي فأعجبه - وكانت فيه غنة -‏.‏

قال سفيان بن عيينة‏:‏ وهي في الحسينيين‏.‏

قال أبو مخنف عن أبي خالد الكاهلي‏.‏

قال‏:‏ لما صبحت الخيل الحسين بن علي رفع يديه فقال‏:‏ اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي من كل أمر نزل ثقة وعدة، فكم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك وشكوته إليك؛ رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت لي وليّ كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل غاية‏.‏

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام‏:‏ حدثني حجاج بن محمد، عن أبي معشر، عن بعض مشيخته‏.‏

قال‏:‏ قال الحسين حين نزلوا كربلاء‏:‏ ما اسم هذه الأرض‏؟‏

قالوا‏:‏ كربلاء‏.‏

قال‏:‏ كرب وبلاء‏.‏

وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين‏:‏ يا عمر اختبرني إحدى ثلاث خصال‏:‏ إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فسيّرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم فيّ ما رأى، فإن أبيت هذه فسيّرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت‏.‏

فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهمّ أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجوشن‏:‏ لا ‏!‏ إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك‏.‏

فقال الحسين‏:‏ والله لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجوشن وقال له‏:‏ إن تقدم عمر فقاتل وإلا فاقتله وكن مكانه، فقد وليتك الإمرة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 8/184‏)‏

وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلاً من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له‏:‏ يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئاً‏؟‏ فتحولوا مع الحسين يقاتلون معه‏.‏

وقال أبو زرعة‏:‏ حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، عن حصين قال‏:‏ أدركت من مقتل الحسين قال‏:‏ فحدثني سعد بن عبيدة قال‏:‏ فرأيت الحسين وعليه جبة برود ورماه رجل يقال له‏:‏ عمرو بن خالد الطهوي بسهمٍ، فنظرت إلى السهم معلقاً بجبته‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا محمد بن عمار الرازي، حدثني سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، ثنا حصين‏:‏ أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة‏:‏ إن معك مائة ألف‏.‏

فبعث إليهم مسلم بن عقيل فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم‏.‏

قال حصين‏:‏ فحدثني هلال بن يساف‏:‏ أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة حفظاً فلا يدعون أحداً يلج ولا أحداً يخرج، وأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى أتى الأعراب فسألهم عن الناس‏.‏

فقالوا‏:‏ والله لا ندري، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج‏.‏

قال‏:‏ فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله والإسلام‏.‏

قال‏:‏ وكان بعث إليه ابن زياد عمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وحصين بن نمير، فناشدهم الله والإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فقالوا له‏:‏ لا ‏!‏ إلا أن تنزل على حكم ابن زياد، وكان في جملة من معهم الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل‏.‏

فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم‏:‏ ألا تتقون الله‏؟‏ ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم، والله لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حلّ لكم أن تردوهم فأبوا إلا حكم ابن زياد‏؟‏ فضرب الحرّ وجه فرسه وانطلق إلى الحسين، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كرّ على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمه الله‏.‏

وذكر‏:‏ أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجاً فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبي مخرمة المرادي ورجلان آخران، وهما‏:‏ عمرو بن الحجاج، ومعن السلمي، وأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد وعليه جبة من برود‏.‏

فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بني تميم يقال له‏:‏ عمرو الطهوي بسهم بين كتفيه، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقاً بجبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافّه وإني لأنظر إليهم وهم قريب من مائة رجل، فيهم لصلب علي خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سُليم حليف لهم، ورجل من بني كنانة حليف لهم، وابن عم ابن زياد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 8/185‏)‏

وقال حصين، حدثني سعد بن عبيدة قال‏:‏ إنا لمستنقعون الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فسارّه فقال له‏:‏ قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك‏.‏

قال‏:‏ فوثب إلى فرسه فركبها ثم دعا بسلاحه فلبسه وأنه لعلى فرسه، ونهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول‏:‏ إن أبا عبد الله كان قد شمط‏.‏

قال‏:‏ وجيء بنسائه وبناته وأهله قال‏:‏ وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكانٍ معتزلٍ وأجرى عليهم رزقاً، وأمر لهم بنفقة وكسوة‏.‏

قال‏:‏ وانطلق غلامان منهم من أولاد عبد الله بن جعفر - أو ابن أبي جعفر - فأتيا رجلاً من طيء فلجآ إليه مستجيران به، فضرب أعناقهما وجاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد‏.‏

قال‏:‏ فهمَّ ابن زياد بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت‏.‏

قال‏:‏ وحدثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال‏:‏ لما أتي يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه رأيته يبكي ويقول‏:‏ لو كان بين ابن زياد وبينه رحم ما فعل هذا - يعني‏:‏ ابن زياد -‏.‏

قال الحصين‏:‏ ولما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ حدثني لوذان، حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين‏:‏ أين تريد‏؟‏

فحدثه، فقال له‏:‏ أنشدك الله لما انصرفت راجعاً، فوالله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك ولا يقاتل معك، وإنما والله أنت قادم على الأسنة والسيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الأشياء، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأياً، فأما على هذه الصفة فإني لا أرى لك أن تفعل‏.‏

فقال له الحسين‏:‏ إنه ليس بخفي عليّ ما قلت وما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره، ثم ارتحل قاصداً الكوفة‏.‏

وقال خالد بن العاص‏:‏

رُبَّ مستنصح يغش ويردي * وظنينٍ بالغيب يلقى نصيحاً

وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص وكان عامل المدينة ومكة ليزيد، وقد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏