فصل: إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم عن الخوارج وقتالهم‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 باب ما جاء في إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم عن الحكمين اللذين بعثا في زمن علي‏:‏

أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنَّا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن الفضل، ثنا قتيبة ابن سعيد عن جرير، عن زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن يسار، عن سويد بن غفلة قال‏:‏ إنِّي لأمشي مع علي بشطِّ الفرات فقال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلا من اتِّبعهما وإنَّ هذه الأمَّة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وأضلا من اتَّبعهما، هكذا أورده ولم يبيِّن شيئاً من أمره وهو حديث منكر جداً وآفته من زكريا بن يحيى هذا - وهو الكنديّ الحميريّ الأعمى -‏.‏

قال يحيى بن معين‏:‏ ليس بشيء والحكمان كانا من خيار الصَّحابة وهما عمرو بن العاص السَّهميّ من جهة أهل الشَّام، والثَّاني أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعريّ من جهة أهل العراق، وإنَّما نصِّبا ليصلحا بين النَّاس ويتَّفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم، وكذلك وقع ولم يضِّل بسببهما إلا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الأميرين التَّحكيم وخرجوا عليهما وكفَّروهما حتَّى قاتلهم علي ابن أبي طالب وناظرهم ابن عبَّاس فرجع منهم شرذمة إلى الحقِّ واستمرَّ بقيتهم حتَّى قتل أكثرهم بالنَّهروان وغيره من المواقف المرذولة عليهم كما سنذكره‏.‏

 إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم عن الخوارج وقتالهم‏:‏

قال البخاري‏:‏ ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهريّ قال‏:‏ أخبرني أبو سلمة بن عبد الرَّحمن أنَّ أبا سعيد الخدريّ قال‏:‏ بينما نحن عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرة - وهو رجل من بني تميم - فقال‏:‏ يا رسول الله إعدل‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ويلك ومن يعدل‏؟‏ قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏دعه فإنَّ له أصحاباً يحقِّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيّهم يمرقون من الدِّين كما يمرق السَّهم من الرَّمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثمَّ ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثمَّ ينظر إلى نضبه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شيء ثمَّ ينظر إلى قذذه فلم يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدَّم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من النَّاس‏)‏‏)‏‏.‏

قال أبو سعيد‏:‏ فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأشهد أنَّ علي ابن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرَّجل فالتمس فأتى به حتَّى نظرت إليه على نعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي نعته‏.‏

وهكذا رواه مسلم من حديث أبي سعيد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/242‏)‏

ورواه البخاري أيضاً من حديث الأوزاعيّ‏:‏ عن الزهريّ، عن أبي سلمة والضَّحاك، عن أبي سعيد‏.‏

وأخرجه البخاريّ أيضاً من حديث سفيان بن سعيد الثوريّ عن أبيه‏.‏

ومسلم عن هناد، عن أبي الأحوص سلام بن سليم، عن سعيد بن مسروق، عن عبد الرَّحمن بن يعمر، عن أبي سعيد الخدريّ به‏.‏

وقد روى مسلم في صحيحه من حديث داود ابن أبي هند، والقاسم بن الفضل‏.‏

وقتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏تمرق مارقة عند فرقة المسلمين يقتلها أولى الطَّائفتين بالحق‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه أيضاً من حديث أبي إسحاق الثَّوريّ عن حبيب ابن أبي ثابت، عن الضَّحاك المشرقيّ، عن أبي سعيد مرفوعاً‏.‏

وروى مسلم عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن ابن مسهر، عن الشَّيبانيّ، عن يُسَيْر بن عمرو قال‏:‏ سألت سهل بن حنيف هل سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يذكر هؤلاء الخوارج ‏؟‏

فقال‏:‏ سمعته وأشار بيده نحو المشرق، وفي رواية نحو العراق يخرج قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدِّين كما يمرق السَّهم من الرَّمية محلَّقة رؤوسهم‏.‏

وروى مسلم من حديث حميد بن هلال عن عبد الله ابن الصَّامت عن أبي ذر نحوه، وقال‏:‏ سيماهم التَّحليق شرّ الخلق والخليقة‏.‏

وكذلك رواه محمد بن كثير المصيصيّ عن الأوزاعيّ، عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعاً وقال‏:‏ سيماهم التَّحليق شرُّ الخلق والخليقة‏.‏

وفي الصَّحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة، عن سويد بن غفلة، عن علي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج قوم في آخر الزَّمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم إلى يوم القيامة‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روى مسلم عن قتيبة عن حماد، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة، عن علي في خبر مؤذن اللَّيل وهو ذو الثَّدية، وأسنده من وجه آخر عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي وفيه أنَّه حلَّف علياً على ذلك فحلف له أنَّه سمع ذلك من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

ورواه مسلم عن عبد بن حميد عن عبد الرَّزاق، عن عبد الملك ابن أبي سليمان، عن زيد بن وهب، عن علي بالقصَّة مطوَّلة، وفيه قصَّة ذي الثَّدية‏.‏

ورواه من حديث عبيد الله ابن أبي رافع عن علي‏.‏

ورواه أبو داود الطَّيالسيّ‏:‏ عن حماد بن زيد عن حميد بن مرة، عن أبي الوضيّء والسَّحيميّ عن علي في قصَّة ذي الثدية‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/243‏)‏

ورواه الثَّوريّ عن محمد بن قيس، عن أبي موسى - رجل من قومه - عن علي بالقصَّة‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا الحميديّ، ثنا سفيان، حدَّثني العلاء ابن أبي العبَّاس أنَّه سمع أبا الطّفيل يحدِّث عن بكر بن قرقاش، عن سعيد ابن أبي وقَّاص قال‏:‏ ذكر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذا الثَّدية فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏شيطان الردهة كراعي الخيل يحذره رجل من بجيلة يقال له‏:‏ الأشهب أو ابن الأشهب، علامة في قوم ظلمة‏)‏‏)‏‏.‏

قال سفيان‏:‏ فأخبرني عمَّار الذَّهبيّ أنَّه جاء به رجل منهم يقال له‏:‏ الأشهب أو ابن الأشهب‏.‏

قال يعقوب بن سفيان‏:‏ وحدَّثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حامد الهمدانيّ سمعت سعد بن مالك يقول‏:‏ قتل علي ابن أبي طالب شيطان الرُّدهة - يعني‏:‏ المخدج يريد - والله أعلم قتلة أصحاب علي‏.‏

وقال علي بن عياش‏:‏ عن حبيب، عن سلمة قال‏:‏ لقد علمت عائشة أنَّ جيش المروة وأهل النِّهروان ملعونون على لسان محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قال ابن عيَّاش‏:‏ جيش المروة قتلة عثمان، رواه البيهقيّ‏.‏

ثمَّ قال البيهقيّ‏:‏ أنَّا الحاكم، أنَّا الأصمّ، ثنا أحمد بن عبد الجبَّار، حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله‏)‏‏)‏‏.‏

فقال أبو بكر‏:‏ أنا هو يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ أنا هو يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا ولكن خاصف النَّعل‏)‏‏)‏ - يعني‏:‏ علياً -‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عمران بن جرير، عن لاحق قال‏:‏ كان الذين خرجوا على علي بالنَّهروان أربعة آلاف في الحديد فركبهم المسلمون فقتلوهم ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط وإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فإنَّه يشهد بذلك‏.‏

قلت‏:‏ الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأنَّ ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشَّأن ووقوع ذلك في زمان علي معلوم ضرورة لأهل العلم قاطبة، وأما كيفية خروجهم وسببه ومناظرة ابن عبَّاس لهم في ذلك ورجوع كثير منهم إليه فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/244‏)‏

 إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم بمقتل علي ابن أبي طالب فكان كما أخبر‏:‏

قال الإمام أحمد‏:‏ ثنا علي بن بحر، ثنا عيسى بن يونس، ثنا محمد بن إسحاق، حدَّثني زيد بن محمد بن خيثم المحاربي عن محمَّد بن القرظي عن محمَّد كعب بن خيثم، عن عمَّار بن ياسر قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعليّ حين ولي غزوة العثيرة‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أبا تراب - لما يرى عليه من التُّراب - ألا أحدِّثك بأشقى النَّاس رجلين‏؟‏‏)‏‏)‏

قلنا‏:‏ بلى يا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أحيمر ثمود الذي عقر النَّاقة والذي يضربك يا علي على هذه - يعني‏:‏ قرنه - حتى يبلَّ هذه - يعني‏:‏ لحيته -‏)‏‏)‏‏.‏

وروى البيهقيّ عن الحاكم، عن الأصمّ، عن الحسن بن مكرم، عن أبي النضر، عن محمد بن راشد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن فضالة ابن أبي فضالة الأنصاريّ - وكان أبوه من أهل بدر - قال‏:‏ خرجت مع أبي عائداً لعليّ ابن أبي طالب في مرض أصابه فثقل منه قال‏:‏ فقال أبي‏:‏ ما يقيمك بمنزلك هذا فلو أصابك أجلك لم يكن إلا أعراب جهينة تحملك إلى المدينة، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلَّوا عليك‏.‏

فقال علي‏:‏ إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عهد إليَّ أن لا أموت حتى تخضب هذه - يعني‏:‏ لحيته - من دم هذه - يعني‏:‏ هامته - فقتل، وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفِّين‏.‏

وقال أبو داود الطَّيالسيّ‏:‏ ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة، عن زيد بن وهب قال‏:‏ جاء رأس الخوارج إلى علي فقال له‏:‏ إتق الله فإنَّك ميت‏.‏

فقال‏:‏ لا والذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه، وأشار بيده إلى لحيته، عهد معهود وقضاء مقضي وقد خاب من افترى‏.‏

وقد روى البيهقيّ بإسناد صحيح‏:‏ عن زيد بن أسلم عن أبي سنان المدركيّ، عن علي في إخبار النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقتله‏.‏

وروى من حديث هيثم عن إسماعيل بن سالم، عن أبي إدريس الأزديّ، عن علي قال‏:‏ إنَّ ممَّا عهد إليَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الأمَّة ستغدر بك بعدي‏.‏

ثمَّ ساقه من طريق قطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه عن حبيب ابن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد الحماميّ قال‏:‏ سمعت علياً يقول‏:‏ إنَّه لعهد النَّبيّ الأمي إليَّ إنَّ الأمَّة ستغدر بك بعدي‏.‏

قال البخاريّ‏:‏ ثعلبة هذا فيه نظر، ولا يتابع على حديثه هذا‏.‏

وروى البيهقيّ عن الحاكم، عن الأصمّ، عن محمَّد بن إسحاق الصنعانيّ، عن أبي الأجوب الأحوص بن خبَّاب، عن عمَّار بن زريق، عن الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن ثعلبة بن يزيد قال‏:‏ قال علي‏:‏ والذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة لتخضبنَّ هذه من هذه للحيته من رأسه، فما يحبس أشقاها‏.‏

فقال عبد الله بن سبيع‏:‏ والله يا أمير المؤمنين لو أنَّ رجلاً فعل ذلك لأثرنا عشيرته‏.‏

فقال‏:‏ أنشدك بالله أن لا تقتل بي غير قاتلي‏.‏

قالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين ألا تستخلف ‏؟‏

قال‏:‏ ولكن أترككم كما ترككم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

قالوا‏:‏ فما تقول لربِّك إذا تركتنا هملاً‏؟‏ قال‏:‏ أقول اللَّهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ثمَّ قبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/245‏)‏

وهكذا روى البيهقيّ هذا وهو موقوف وفيه غرابة من حيث اللَّفظ ومن حيث المعنى، ثمَّ المشهور عن علي أنَّه لمَّا طعنه عبد الرَّحمن بن ملجم الخارجيّ وهو خارج لصلاة الصُّبح عند السِّدة فبقي علي يومين من طعنته، وحبس ابن ملجم وأوصى عليّ إلى ابنه الحسن بن علي كما سيأتي بيانه وأمره أن يركب في الجنود وقال له‏:‏ لا يجر علي كما تجر الجارية فلمَّا مات قتل عبد الرَّحمن بن ملجم قوداً، وقيل‏:‏ حداً والله أعلم، ثمَّ ركب الحسين بن علي في الجنود وسار إلى معاوية كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى‏.‏

 إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك مقتل الحسين

وسيادة ولده الحسن بن علي في تركه الأمر من بعده وإعطائه لمعاوية‏:‏

قال البخاري في ‏(‏دلائل النُّبوة‏)‏‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن محمد، ثنا يحيى بن آدم، ثنا حسين الجعفيّ عن أبي موسى، عن الحسن، عن أبي بكرة قال‏:‏ أخرج النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم الحسن بن علي فصعد به على المنبر فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ ابني هذا سيد ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين‏)‏‏)‏‏.‏

وقال في كتاب ‏(‏الصّلح‏)‏‏:‏ حدَّثنا عبد الله بن محمد، ثنا سفيان عن أبي موسى قال‏:‏ سمعت الحسن يقول‏:‏ استقبل والله الحسن بن علي معاوية ابن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص‏:‏ إنِّي لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها‏.‏

فقال له معاوية‏:‏ فكان والله خير الرَّجلين‏:‏ أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور النَّاس‏؟‏ من لي بنسائهم‏؟‏ من لي بضيعتهم‏؟‏

فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس‏:‏ عبد الرَّحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز فقال‏:‏ إذهبا إلى هذا الرَّجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه‏.‏

فأتياه فدخلا عليه فتكلَّما وقالا له وطلبا إليه‏.‏

فقال لهما الحسن بن علي‏:‏ إنَّا بنو عبد المطَّلب قد أصبنا من هذا المال وإنَّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها‏.‏

قالا‏:‏ فإنَّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك‏.‏

قال‏:‏ فمن لي بهذا ‏؟‏

قالا‏:‏ نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا‏:‏ نحن لك به فصالحه‏.‏

فقال الحسن‏:‏ ولقد سمعت أبا بكرة يقول‏:‏ رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على النَّاس مرَّة وعليه أخرى ويقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ ابني هذا سيد ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين‏)‏‏)‏‏.‏

وقال البخاريّ‏:‏ قال لي علي بن عبد الله‏:‏ إنَّما ثبت لنا سماع الحسن ابن أبي بكرة بهذا الحديث‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/246‏)‏

وقد رواه البخاري أيضاً في فضل الحسن، وفي كتاب ‏(‏الفتن‏)‏ عن علي بن المدينيّ، عن سفيان بن عيينة، عن أبي موسى - وهو إسرائيل بن موسى ابن أبي إسحاق -‏.‏

ورواه أبو داود والتّرمذيّ من حديث أشعث‏.‏

وأبو داود أيضاً والنَّسائيّ من حديث علي بن زيد بن جدعان، كلهم عن الحسن البصري، عن أبي بكرة به‏.‏

وقال التّرمذيّ‏:‏ صحيح وله طرق عن الحسن مرسلاً، وعن الحسن، وعن أم سلمة به‏.‏

وهكذا وقع الأمر كما أخبر به النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم سواء، فإنَّ الحسن بن علي لمَّا صار إليه الأمر بعد أبيه وركب في جيوش أهل العراق وسار إليه معاوية فتصافَّا بصفِّين على ما ذكره الحسن البصريّ فمال الحسن بن علي إلى الصُّلح وخطب النَّاس، وخلع نفسه من الأمر وسلَّمه إلى معاوية وذلك سنة أربعين فبايعه الأمراء من الجيشين واستقلَّ بأعباء الأمَّة فسمِّي ذلك العام عام الجماعة، لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد وسنورد ذلك مفصلاً في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏

وقد شهد الصَّادق المصدوق للفرقتين بالإسلام فمن كفَّرهم أو واحداً منهم لمجرد ما وقع فقد أخطأ وخالف النص النَّبويّ المحمَّديّ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، وقد تكمَّل بهذه السَّنة المدَّة التي أشار إليها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنها مدَّة الخلافة المتتابعة بعده‏.‏

كما تقدَّم في حديث سفينة مولاه أنَّه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمَّ تكون ملكاً‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية ‏(‏‏(‏عضوضاً‏)‏‏)‏‏.‏

وفي رواية عن معاوية أنَّه قال‏:‏ رضينا بها ملكاً‏.‏

وقد قال نعيم بن حماد في كتابه ‏(‏الفتن والملاحم‏)‏‏:‏ سمعت محمد بن فضيل عن السري بن إسماعيل، عن عامر الشِّعبيّ، عن سفيان بن عيينة قال‏:‏ سمعت الحسن بن علي يقول‏:‏ سمعت علياً يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تذهب الأيَّام واللَّيالي حتى يجتمع أمر هذه الأمَّة على رجل واسع القدم ضخم البلغم، يأكل ولا يشبع وهو عري‏)‏‏)‏‏.‏

وهكذا وقع في هذه الرِّواية‏.‏

وفي رواية بهذا الإسناد‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تذهب الأيَّام واللَّيالي حتى تجتمع هذه الأمَّة على معاوية‏)‏‏)‏‏.‏

وروى البيهقيّ من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر - وهو ضعيف - عن عبد الملك بن عمَّار قال‏:‏ قال معاوية‏:‏ والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لي‏:‏ ‏(‏‏(‏يا معاوية إن مُلِّكت فأحسن‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ قال البيهقيّ‏:‏ وله شواهد من ذلك حديث عمرو بن يحيى عن سعيد بن العاص، عن جدِّه سعيد أنَّ معاوية أخذ الأداوة فتبع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنظر إليه فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا معاوية إن ولِّيت أمراً فاتق الله واعدل‏)‏‏)‏‏.‏

قال معاوية‏:‏ فما زلت أظنّ أني مبتلى بعمل لقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

ومنها حديث الثَّوريّ عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد الدَّاري، عن معاوية قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّك إن اتبعت عورات النَّاس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ يقول أبو الدَّرداء‏:‏ كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فنفعه الله بها، رواه أبو داود‏.‏

وروى البيهقيّ من طريق هشيم عن العوام بن حوشب، عن سليمان ابن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏الخلافة بالمدينة والملك بالشَّام‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/247‏)‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا إسحاق بن عيسى، ثنا يحيى بن حمزة عن زيد بن واقد، حدَّثني بشر بن عبيد الله، حدَّثني أبو إدريس الخولانيّ عن أبي الدَّرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب رفع واحتمل من تحت رأسي، فظننت أنَّه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشَّام، ألا وإن الإيمان - حين تقع الفتن - بالشَّام ههنا‏)‏‏)‏‏.‏

رواه البيهقيّ من طريق يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن يوسف، عن يحيى بن حمزة السلميّ به‏.‏

قال البيهقيّ‏:‏ وهذا إسناد صحيح، وروي من وجه آخر ثمَّ ساقه من طريق عقبة بن علقمة عن سعيد بن عبد العزيز الدِّمشقيّ، عن عطية بن قيس، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إني رأيت أن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا نور ساطع عمد به إلى الشَّام، ألا إنَّ الإيمان إذا وقعت الفتن بالشَّام‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ أورده البيهقيّ من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز، عن يونس بن ميسرة، عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فذكر نحوه، إلا أنَّه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فأتبعته بصري حتَّى ظننت أنَّه مذهوب به‏)‏‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وإني أوَّلت أنَّ الفتن إذا وقعت أنَّ الإيمان بالشَّام‏)‏‏)‏‏.‏

قال الوليد‏:‏ حدَّثني عُفير بن معدان أنَّه سمع سليمان بن عامر يحدِّث عن أبي أمامة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ذلك‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدَّثني نصر بن محمد بن سليمان الحمصيّ، ثنا أبي أبو ضمرة محمَّد بن سليمان السَّلميّ، حدَّثني عبد الله ابن أبي قيس سمعت عمر بن الخطَّاب يقول‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏رأيت عموداً من نور خرج من تحت رأسي ساطعاً حتَّى استقرَّ بالشَّام‏)‏‏)‏‏.‏

وقال عبد الرَّزاق‏:‏ أنَّا معمَّر عن الزهري، عن عبد الله بن صفوان قال‏:‏ قال رجل يوم صفِّين‏:‏ اللَّهم إلعن أهل الشَّام‏.‏

فقال له علي‏:‏ لا تسبّ أهل الشَّام جماً غفيراً فإنَّ بها الأبدال، فإنَّ بها الأبدال‏.‏

وقد روي من وجه آخر عن علي‏.‏

قال الإمام أحمد‏:‏ ثنا أبو المغيرة، ثنا صفوان، حدَّثني شريح - يعني‏:‏ ابن عبيد الحضرميّ - قال‏:‏ ذكر أهل الشَّام عند علي ابن أبي طالب وهو بالعراق فقالوا‏:‏ إلعنهم يا أمير المؤمنين‏.‏

قال‏:‏ لا، إني سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏الأبدال يكونون بالشَّام وهم أربعون رجلاً كلَّما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يستسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشَّام بهم العذاب‏)‏‏)‏‏.‏

تفرَّد به أحمد، وفيه انقطاع فقد نص أبو حاتم الرَّازيّ على أن شريح ابن عبيد هذا لم يسمع من أبي أمامة ولا من أبي مالك الأشعري وأنَّه رواية عنهما مرسلة، فما ظنك بروايته عن علي ابن أبي طالب وهو أقدم وفاة منهما‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/248‏)‏

 إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم عن غزاة البحر إلى قبرص‏:‏

قال مالك‏:‏ عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصَّامت، فدخل عليها يوماً فأطعمته، فنام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ استيقظ وهو يضحك، قالت‏:‏ فقلت‏:‏ ما يضحكك يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرَّة أو مثل الملوك على الأسرة‏)‏‏)‏ - شكَّ إسحق -‏.‏

فقلت‏:‏ يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم‏.‏

فدعا لها ثمَّ وضع رأسه فنام ثمَّ استيقظ وهو يضحك‏.‏

قالت‏:‏ قلت‏:‏ ما يضحكك يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله‏)‏‏)‏ كما قال في الأولى‏.‏

قالت‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنت من الأوَّلين‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت‏.‏

رواه البخاريّ عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن مالك به‏.‏

وأخرجاه في الصَّحيحين من حديث اللَّيث وحماد بن زيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد، وعن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن أنس بن مالك، عن خالته أم حرام بنت ملحان، فذكر الحديث إلى أن قال‏:‏ فخرجت مع زوجها عُبادة بن الصَّامت غازية أوَّل ما ركبوا مع معاوية، أو أوَّل ما ركب المسلمون البحر مع معاوية ابن أبي سفيان، فلمَّا انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشَّام فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت‏.‏

ورواه البخاري من حديث أبي إسحاق الفزاريّ عن زائدة، عن أبي حوالة عبد الله بن عبد الرَّحمن، عن أنس به‏.‏

وأخرجه أبو داود من حديث معمَّر عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أخت أم سليم‏.‏

وقال البخاري‏:‏

 باب ما قيل في قتال الرُّوم‏:‏

حدَّثنا إسحاق بن يزيد الدِّمشقيّ، ثنا يحيى بن حمزة، حدَّثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أنَّ عمير بن الأسود العنسيّ، حدَّثه أنَّه أتى عبادة بن الصَّامت وهو نازل إلى ساحل حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام، قال عمير‏:‏ فحدَّثتنا أم حرام أنَّها سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏أوَّل جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا‏)‏‏)‏‏.‏

قالت أم حرام‏:‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله أنا فيهم ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنت فيهم‏)‏‏)‏‏.‏

قالت‏:‏ ثمَّ قال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏أوَّل جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم‏)‏‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ أنا فيهم يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏ تفرَّد به البخاريّ دون أصحاب الكتب السِّتة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/249‏)‏

وقد رواه البيهقيّ في ‏(‏الدَّلائل‏)‏ عن الحاكم، عن أبي عمرو ابن أبي جعفر، عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمَّار الخطيب، عن يحيى بن حمزة القاضي به وهو يشبه معنى الحديث الأوَّل‏.‏

وفيه من دلائل النبوة ثلاث‏:‏ إحداها الإخبار عن الغزوة الأولى في البحر وقد كانت في سنة سبع وعشرين مع معاوية ابن أبي سفيان حين غزا قبرص وهو نائب الشَّام عن عثمان بن عفَّان وكانت معهم أم حرام بنت ملحان هذه صحبة زوجها عبادة بن الصَّامت أحد النُّقباء ليلة العقبة فتوفيت مرجعهم من الغزو قتل بالشَّام كما تقدَّم في الرِّواية عند البخاري، وقال ابن زيد‏:‏ توفِّيت بقبرص سنة سبع وعشرين، والغزوة الثَّانية غزوة قسطنطينية مع أوَّل جيش غزاها وكان أميرها يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان وذلك في سنة اثنتين وخمسين وكان معهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري فمات هنالك - رضي الله عنه وأرضاه - ولم تكن هذه المرأة معهم لأنها كانت قد توفيت قبل ذلك في الغزوة الأولى‏.‏

فهذا الحديث فيه ثلاث آيات من دلائل النُّبوة الإخبار عن الغزوتين، والإخبار عن المرأة بأنها من الأوَّلين وليست من الآخرين، وكذلك وقع - صلوات الله وسلامه عليه -‏.‏

 الإخبار عن غزوة الهند‏:‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا هشيم عن سيار بن حسين بن عبيدة، عن أبي هريرة قال‏:‏ وعدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غزوة الهند فإن استشهدت كنت من خير الشُّهداء وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر‏.‏

رواه النَّسائيّ من حديث هشيم وزيد بن أنيسة عن يسار بن جبر ويقال‏:‏ جبير عن أبي هريرة قال‏:‏ وعدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم غزوة الهند فذكره‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدَّثنا يحيى بن إسحق، ثنا البراء عن الحسن، عن أبي هريرة قال‏:‏ حدَّثني خليلي الصَّادق المصدوق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يكون في هذه الأمَّة بعث إلى السِّند والهند، فإن أنا أدركته فاستشهدت فذاك وإن أنا وإن أنا فذكر كلمة رجعت فأنا أبو هريرة المحدث قد أعتقني من النَّار، تفرَّد به أحمد‏.‏

وقد غزا المسلمون الهند في أيَّام معاوية سنة أربع وأربعين وكانت هنالك أمور سيأتي بسطها في موضعها، وقد غزا الملك الكبير الجليل محمود بن سبكتكين صاحب غزنة في حدود أربعمائة بلاد الهند فدخل فيها وقتل وأسر وسبى وغنم ودخل السومنات وكسر الند الأعظم الذي يعبدونه، واستلب سيوفه وقلائده ثمَّ رجع سالماً مؤيداً منصوراً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/250‏)‏

 فصل في الإخبار عن قتال التُّرك كما سنبينه إن شاء الله‏:‏

قال البخاريّ‏:‏ ثنا أبو اليمان، أنَّا شعيب، ثنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشَّعر، وحتى تقاتل التُّرك صغار الأعين حمر الوجوه ذلف الأنوف كأنَّ وجوههم المجان المطرقة، وتجدون من خير النَّاس أشدَّهم كراهية لهذا الأمر حتَّى يقع فيه والنَّاس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام وليأتينَّ على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله‏)‏‏)‏ تفرَّد به من هذا الوجه‏.‏

ثمَّ قال البخاريّ‏:‏ ثنا يحيى، ثنا عبد الرَّزاق عن معمر، عن همام عن أبي هريرة أنَّ النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا خوزاً وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأنَّ وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشَّعر‏)‏‏)‏‏.‏

تابعه غيره عن عبد الرَّزاق‏.‏

وقد ذكر عن الإمام أحمد أنَّه قال‏:‏ أخطأ عبد الرَّزاق في قوله‏:‏ خوراً بالخاء، وإنَّما هو بالجيم جوزاً وكرمان هما بلدان معروفان بالشَّرق فالله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا سفيان عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة فبلغ به النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشَّعر‏)‏‏)‏‏.‏

وقد رواه الجماعة إلا النَّسائيّ من حديث سفيان بن عيينة به‏.‏

وقال البخاريّ‏:‏ ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان قال‏:‏ قال إسماعيل‏:‏ أخبرني قيس قال‏:‏ أتينا أبا هريرة رضي الله عنه فقال‏:‏ صحبت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاث سنين لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهنَّ سمعته يقول‏:‏ - وقال هكذا بيده -‏:‏ ‏(‏‏(‏بين يدي السَّاعة تقاتلون قوماً نعالهم الشَّعر‏)‏‏)‏ - وهو هذا البارز -‏.‏

وقال سفيان مرَّة‏:‏ وهم أهل البارز‏.‏

وقد رواه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة ووكيع كلاهما، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس ابن أبي حازم، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم القيامة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشَّعر كأنَّ وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/251‏)‏

قلت‏:‏ وأمَّا قول سفيان بن عيينة‏:‏ أنَّهم هم أهل البارز فالمشهور في الرِّواية تقديم الراء على الزَّاي ولعلَّه تصحيف اشتبه على القائل البازر وهو السوق بلغتهم فالله أعلم‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عفَّان، ثنا جرير بن حازم سمعت الحسن قال‏:‏ ثنا عمرو بن ثعلب قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ من أشراط السَّاعة أن تقاتلوا قوماً نعالهم الشَّعر، أو ينتعلون الشَّعر، وإنَّ من أشراط السَّاعة أن تقاتلوا قوماً عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه البخاري عن سليمان بن حرب وأبي النعمان، عن جرير بن حازم به‏.‏

والمقصود أنَّ قتال التُّرك وقع في آخر أيَّام الصَّحابة قاتلوا القان الأعظم فكسروه كسرة عظيمة على ما سنورده في موضعه إذا انتهينا إليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه‏.‏

خبر آخر عن عبد الله بن سلام‏:‏

قال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، ثنا ابن عون عن محمد - هو ابن سيرين - عن بشر بن عبَّاد قال‏:‏ كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر خشوع فدخل فصلَّى ركعتين فأوجز فيهما‏.‏

فقال القوم‏:‏ هذا رجل من أهل الجنَّة، فلمَّا خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدَّثته، فلمَّا استأنس قلت له‏:‏ إنَّ القوم لمَّا دخلت المسجد قالوا‏:‏ كذا وكذا‏.‏

قال‏:‏ سبحان الله والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدِّثك أني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقصصتها عليه رأيت كأني في روضة خضراء - قال ابن عون‏:‏ فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السَّماء في أعلاه عروة، فقيل لي‏:‏ إصعد عليه‏.‏

فقلت‏:‏ لا أستطيع فجاء بنصيف - قال ابن عون‏:‏ وهو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال‏:‏ إصعد عليه‏.‏

فصعدت حتى أخذت بالعروة‏.‏

فقال‏:‏ إستمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي‏.‏

قال‏:‏ فأتيت النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقصصتها عليه‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أمَّا الرَّوضة فروضة الإسلام، وأمَّا العمود فعمود الإسلام، وأمَّا العروة فهي العروة الوثقى أنت على الإسلام تموت‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وهو عبد الله بن سلام‏.‏

ورواه البخاريّ من حديث عون‏.‏

ثمَّ قد رواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة، عن المسيّب بن رافع، عن حرشة بن الحر، عن عبد الله بن سلام فذكره مطولاً وفيه قال‏:‏ حتى انتهيت إلى جبل زلق فأخذ بيدي ودحاني فإذا أنا على ذروته فلم أتقار ولم أتماسك، وإذا عمود حديد في يدي ذروته حلقة ذهب فأخذ بيدي ودحاني حتى أخذت بالعروة، وذكر تمام الحديث‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/252‏)‏

وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر، عن حرشة بن الحر، عن عبد الله بن سلام فذكره‏.‏

وقال‏:‏ حتى أتى بي جبلاً فقال لي‏:‏ إصعد فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على رأسي حتى فعلت ذلك مراراً‏.‏

وأنَّ رسول الله قال له حين ذكر رؤياه‏:‏ ‏(‏‏(‏وأمَّا الجبل فهو منزل الشُّهداء ولن تناله‏)‏‏)‏‏.‏

قال البيهقيّ‏:‏ وهذه معجزة ثانية حيث أخبر أنَّه لا ينال الشَّهادة وهكذا وقع فإنَّه مات سنة ثلاث وأربعين فيما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره‏.‏

 الإخبار عن بيت ميمونة بنت الحارث بسرف‏:‏

قال البخاري في ‏(‏التَّاريخ‏)‏‏:‏ أنَّا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عبد الله بن عبد الله بن الأصمّ، ثنا يزيد بن الأصمّ قال‏:‏ ثقلت ميمونة بمكَّة وليس عندها من بني أختها أحد فقالت‏:‏ أخرجوني من مكة فإني لا أموت بها إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرني أني لا أموت بمكة، فحملوها حتى أتوا بها إلى سرف الشجرة التي بنى بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تحتها في موضع القبة فماتت رضي الله عنها‏.‏

قلت‏:‏ وكان موتها سنة إحدى وخمسين على الصَّحيح‏.‏

 ما روي في إخباره عن مقتل حجر بن عدي وأصحابه‏:‏

قال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا ابن بكير، ثنا ابن لهيعة، حدَّثني الحارث عن يزيد، عن عبد الله بن رزين الغافقيّ قال‏:‏ سمعت علي ابن أبي طالب يقول‏:‏ يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأخدود، فقتل حجر بن عدي وأصحابه‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ قال أبو نعيم‏:‏ ذكر زياد بن سمية علي ابن أبي طالب على المنبر فقبض حُجر على الحصباء ثمَّ أرسلها وحصب من حوله زياداً فكتب إلى معاوية يقول‏:‏ إن حُجرا حصَّبني وأنا على المنبر، فكتب إليه معاوية أن يحمل حجراً فلمَّا قرب من دمشق بعث من يتلقَّاهم فالتقى معهم بعذراء فقتلهم‏.‏

قال البيهقيّ‏:‏ لا يقول علي مثل هذا إلا أنَّه يكون سمعه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدَّثنا حرملة، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود قال‏:‏ دخل معاوية على عائشة فقالت‏:‏ ما حملك على قتل أهل عذراء حُجراً وأصحابه ‏؟‏

فقال‏:‏ يا أمَّ المؤمنين إني رأيت قتلهم إصلاحاً للأمة وأن بقاءهم فساداً‏.‏

فقالت‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السَّماء‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 6/253‏)‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن مروان بن الحكم قال‏:‏ دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت‏:‏ يا معاوية قتلت حُجراً وأصحابه وفعلت الذي فعلت أما خشيت أن أخبىء لك رجلاً فيقتلك ‏؟‏

قال‏:‏ لا إني في بيت أمان سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏الإيمان قيد الفتك لا يفتك، لا يفتك مؤمن‏)‏‏)‏ يا أمَّ المؤمنين كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك ‏؟‏

قالت‏:‏ صالح‏.‏

قال‏:‏ فدعيني وحُجراً حتى نلتقي عند ربِّنا عزَّ وجل‏.‏

حديث آخر‏:‏

قال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال لعشرة من أصحابه‏:‏ ‏(‏‏(‏آخركم موتاً في النَّار‏)‏‏)‏ فيهم سمرة بن جندب قال أبو نضرة‏:‏ فكان سمرة آخرهم موتاً‏.‏

قال البيهقيّ‏:‏ رواته ثقات إلا أنَّ أبا نضرة العبديّ لم يثبت له من أبي هريرة سماع والله أعلم‏.‏

ثمَّ روى من طريق إسماعيل بن حكيم عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن حكيم قال‏:‏ كنت أمرُّ بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشيء حتى يسألني عن سمرة فلو أخبرته بحياته وصحته فرح وقال‏:‏ إنَّا كنَّا عشرة في بيت وإنَّ رسول الله قام علينا ونظر في وجوهنا وأخذ بعضادتي الباب وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏آخركم موتاً في النَّار‏)‏‏)‏‏.‏

فقد مات منَّا ثمانية ولم يبق غيري وغيره، فليس شيء أحبّ إليَّ من أن أكون قد ذقت الموت، وله شاهد من وجه آخر‏.‏

وقال يعقوب ابن سفيان‏:‏ ثنا حجَّاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أوس بن خالد قال‏:‏ كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة‏.‏

فقلت لأبي محذورة‏:‏ مالك إذا قدمت عليك تسألني عن سمرة وإذا قدمت على سمرة سألني عنك ‏؟‏

فقال‏:‏ إني كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت فجاء النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏آخركم موتاً في النَّار‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فمات أبو هريرة ثمَّ مات أبو محذورة ثمَّ مات سمرة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/254‏)‏

وقال عبد الرَّزاق‏:‏ أنَّا معمَّر سمعت ابن طاوس وغيره يقولون‏:‏ قال النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي هريرة وسمرة بن جندب ولرجل آخر‏:‏ ‏(‏‏(‏آخركم موتاً في النَّار‏)‏‏)‏ فمات الرَّجل قبلهما، وبقي أبو هريرة وسمرة فكان الرَّجل إذا أراد أن يغيظ أبا هريرة يقول‏:‏ مات سمرة، فإذا سمعه غشي عليه وصعق، ثمَّ مات أبو هريرة قبل سمرة وقتل سمرة بشراً كثيراً‏.‏

وقد ضعَّف البيهقيّ عامَّة هذه الرِّوايات لانقطاع بعضها وإرساله ثمَّ قال‏:‏ وقد قال بعض أهل العلم‏:‏ أنَّ سمرة مات في الحريق‏.‏

ثمَّ قال‏:‏ ويحتمل أن يورد النَّار بذنوبه ثمَّ ينجو منها بإيمانه فيخرج منها بشفاعة الشَّافعين والله أعلم‏.‏

ثمَّ أورد من طريق هلال بن العلاء الرقيّ أنَّ عبد الله بن معاوية حدَّثهم عن رجل قد سمَّاه أنَّ سمرة استجمر فغفل عن نفسه وغفل أهله عنه حتَّى أخذته النَّار‏.‏

قلت‏:‏ وذكر غيره أنَّ سمرة بن جندب رضي الله عنه أصابه كرار شديد وكان يوقد له على قدر مملوءة ماءاً حاراً فيجلس فوقها ليتدفأ ببخارها فسقط يوماً فيها فمات رضي الله عنه وكان موته سنة تسع وخمسين بعد أبي هريرة بسنة وقد كان ينوب عن زياد بن سمية في البصرة إذا سار إلى الكوفة، وفي الكوفة إذا سار إلى البصرة، فكان يقيم في كل منهما ستة أشهر من السَّنة وكان شديداً على الخوارج مكثراً للقتل فيهم ويقول‏:‏ هم شرُّ قتلى تحت أديم السَّماء‏.‏

وقد كان الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما من علماء البصرة يثنون عليه رضي الله عنه‏.‏

خبر رافع بن خديج‏:‏

روى البيهقيّ من حديث مسلم بن إبراهيم عن عمرو بن مرزوق الواضحيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد ابن رافع عن جدَّته أنَّ رافع بن خديج رُمي‏.‏

قال عمر‏:‏ لا أدري أيُّهما قال - يوم أحد أو يوم حنين - بسهم في ثندوته فأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال‏:‏ يا رسول الله إنزع لي السَّهم‏.‏

فقال له‏:‏ ‏(‏‏(‏يا رافع إن شئت نزعت السَّهم والقبضة جميعاً وإن شئت نزعت السَّهم وتركت القبضة وشهدت لك يوم القيامة أنَّك شهيد‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ يا رسول الله إنزع السَّهم واترك القبضة واشهد لي يوم القيامة أني شهيد‏.‏

قال‏:‏ فعاش حتى كانت خلافة معاوية انتقض الجرح فمات بعد العصر هكذا وقع في هذه الرِّواية أنَّه مات في إمارة معاوية‏.‏

والذي ذكره الواقديّ وغير واحد أنَّه مات سنة ثلاث وقيل‏:‏ أربع وسبعين، ومعاوية رضي الله عنه كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/255‏)‏

 إخباره صلَّى الله عليه وسلَّم لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته‏:‏

قال البخاري‏:‏ حدَّثنا محمد بن كثير، أخبرني سفيان عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، عن النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ستكون أثرة وأمور تنكرونها‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ يا رسول الله فما تأمرنا‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم‏)‏‏)‏‏.‏

وقال البخاري‏:‏ ثنا محمد بن عبد الرَّحيم، أنَّا أبو معمَّر إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أبو أسامة، ثنا شعبة عن أبي التياح، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏يهلك النَّاس هذا الحي من قريش‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ فما تأمرنا يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لو أنَّ النَّاس اعتزلوهم‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه مسلم عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن أبي أسامة‏.‏

وقال البخاري‏:‏ قال محمود‏:‏ ثنا أبو داود، أخبرنا شعبة عن أبي التياح قال‏:‏ سمعت أبا زرعة وحدَّثنا أحمد بن محمد المكيّ، ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال‏:‏ كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول‏:‏ سمعت الصَّادق المصدوق يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش‏)‏‏)‏‏.‏

فقال مروان‏:‏ غلمة ‏؟‏

قال أبو هريرة‏:‏ إن شئت أن أسميهم فلان وبني فلان، تفرَّد به البخاريّ‏.‏

وقال أحمد‏:‏ ثنا روح، ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، أخبرني جدِّي سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبي هريرة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏هلكة أمتي على يدي غلمة‏)‏‏)‏‏.‏

قال مروان‏:‏ وهم معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئاً فلعنة الله عليهم غلمة‏.‏

قال‏:‏ أما والله لو أشاء أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت‏.‏

قال‏:‏ فكنت أخرج مع أبي وجدِّي إلى بني مروان بعد ما ملكوا فإذا هم يبايعون الصِّبيان ومنهم من يبايع له وهو في خرقة‏.‏

قال لنا‏:‏ عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذي سمعت أبا هريرة يذكر أنَّ هذه الملوك يشبه بعضها بعضاً‏.‏

وقال أحمد‏:‏ حدَّثنا عبد الرَّحمن عن سفيان، عن سماك، حدَّثني عبد الله بن ظالم قال‏:‏ سمعت أبا هريرة قال‏:‏ سمعت حبِّي أبا القاسم صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ رواه أحمد عن زيد بن الخبَّاب، عن سفيان - وهو الثَّوريّ - عن سماك، عن مالك بن ظالم، عن أبي هريرة فذكره‏.‏

ثمَّ روى غُنْدَر وروح بن عبادة عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن مالك بن ظالم قال‏:‏ سمعت أبا هريرة - زاد روح يحدث مروان بن الحكم - قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصَّادق المصدوق يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏هلاك أمَّتي على يد غلمة أمراء سفهاء من قريش‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا أبو عبد الرَّحمن، حدَّثنا حيوة، حدَّثني بشر بن أبي عمرو الخولانيّ، أنَّا الوليد بن قيس التجيبيّ، حدَّثه أنَّه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يكون خلف من بعد الستِّين سنة أضاعوا الصَّلاة واتَّبعوا الشَّهوات، فسوف يلقون غياً ثمَّ يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيَّهم ويقرأ القرآن ثلاثاً مؤمن، ومنافق، وفاجر‏)‏‏)‏‏.‏

وقال بشير‏:‏ فقلت للوليد‏:‏ ما هؤلاء الثَّلاثة ‏؟‏

قال‏:‏ المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به‏.‏

تفرَّد به أحمد وإسناده جيد قوي على شرط السنن‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/256‏)‏

وقد روى البيهقيّ عن الحاكم، عن الأصمّ، عن الحسن بن علي بن عفَّان، عن أبي أسامة، عن مجالد، عن الشعبيّ قال‏:‏ لمَّا رجع علي من صفِّين قال‏:‏ أيُّها النَّاس لا تكرهوا إمارة معاوية فإنَّه لو فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تنزو من كواهلها كالحنظل‏.‏

ثمَّ روى عن الحاكم وغيره، عن الأصمّ، عن العبَّاس ابن الوليد بن زيد، عن أبيه، عن جابر، عن عمير بن هانئ أنَّه حدَّثه أنَّه قال‏:‏ كان أبو هريرة يمشي في سوق المدينة وهو يقول‏:‏ اللَّهم لا تدركني سنة الستِّين ويحكم تمسكوا بصدغي معاوية، اللَّهم لا تدركني إمارة الصِّبيان‏.‏

قال البيهقيّ‏:‏ وعلي وأبو هريرة إنَّما يقولان هذا الشَّيء سمعناه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ أنَّا عبد الرَّحمن بن عمرو الحزاميّ، ثنا محمد بن سليمان عن أبي تميم البعلبكيّ، عن هشام بن الغاز، عن ابن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا يزال هذا الأمر معتدلاً قائماً بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية‏)‏‏)‏‏.‏

وروى البيهقيّ من طريق عوف الأعرابي عن أبي خلدة، عن أبي العالية، عن أبي ذر قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ أوَّل من يبدل سنَّتي رجل من بني أمية‏)‏‏)‏‏.‏

وهذا منقطع بين أبي العالية وأبي ذر وقد رجَّحه البيهقيّ بحديث أبي عبيدة المتقدّم قال‏:‏ ويشبه أن يكون هذا الرَّجل هو يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان والله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ النَّاس في يزيد بن معاوية أقسام فمنهم من يحبه ويتولاه وهم طائفة من أهل الشَّام من النَّواصب، وأمَّا الرَّوافض فيشنعون عليه ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه ويتَّهمه كثير منهم بالزَّندقة ولم يكن كذلك، وطائفة أخرى لا يحبُّونه ولا يسبُّونه لما يعلمون من أنَّه لم يكن زنديقاً كما تقوله الرَّافضة ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة والأمور المستنكرة البشعة الشَّنيعة فمن أنكرها قتل الحسين بن علي بكربلاء ولكن لم يكن ذلك من علم منه ولعلَّه لم يرض به ولم يسؤه وذلك من الأمور المنكرة جداً ووقعة الحرة كانت من الأمور القبيحة بالمدينة النَّبويَّة على ما سنورده إذا انتهينا إليه في ‏(‏التَّاريخ‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/257‏)‏

 الإخبار بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما‏:‏

وقد ورد في الحديث بمقتل الحسين فقال الإمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عبد الصَّمد بن حسان، ثنا عمارة - يعني‏:‏ ابن زاذان - عن ثابت، عن أنس قال‏:‏ استأذن ملك المطر أن يأتي النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأذن له‏.‏

فقال لأم سلمة‏:‏ ‏(‏‏(‏إحفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد‏)‏‏)‏ فجاء الحسين بن علي فوثب حتى دخل فجعل يصعد على منكب النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال له الملك‏:‏ أتحبه ‏؟‏

فقال النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فإنَّ أمَّتك تقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه‏.‏

قال‏:‏ فضرب بيده فأراه تراباً أحمر فأخذت أم سلمة ذلك التُّراب فصرَّته في طرف ثوبها‏.‏

قال‏:‏ فكنَّا نسمع يقتل بكربلاء‏.‏

ورواه البيهقيّ من حديث بشر بن موسى عن عبد الصَّمد، عن عمارة فذكره، ثمَّ قال‏:‏ وكذلك رواه سفيان بن فروخ عن عمارة وعمارة بن زاذان هذا هو الصَّيدلانيّ أبو سلمة البصريّ اختلفوا فيه وقد قال فيه أبو حاتم‏:‏ يكتب حديثه ولا يحتجَّ به ليس بالمتين‏.‏

وضعَّفه أحمد مرَّة ووثَّقه أخرى وحديثه هذا قد روي عن غيره من وجه آخر‏.‏

فرواه الحافظ البيهقيّ من طريق عمارة بن عرفة عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها نحو هذا‏.‏

وقد قال البيهقيّ‏:‏ أنَّا الحاكم في آخرين قالوا‏:‏ أنَّا الأصمّ، أنَّا عبَّاس الدُّوريّ، ثنا محمد بن خالد بن مخلد، ثنا موسى بن يعقوب عن هاشم بن هاشم، عن عتبة ابن أبي وقَّاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، أخبرتني أم سلمة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو حائر ثمَّ اضطجع فرقد، ثمَّ استيقظ وهو حائر دون ما رأيت منه في المرة الأولى، ثمَّ اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلِّبها‏.‏

فقلت‏:‏ ما هذه التُّربة يا رسول الله ‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أخبرني جبريل أنَّ هذا يقتل بأرض العراق - للحسين - قلت له‏:‏ يا جبريل أرني تربة الأرض التي يقتل بها فهذه تربتها‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ قال البيهقيّ‏:‏ تابعه أبو موسى الجهنيّ عن صالح بن يزيد النَّخعيّ، عن أم سلمة وأبان، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر البزَّار في مسنده‏:‏ ثنا إبراهيم بن يوسف الصَّيرفيّ، ثنا الحسين بن عيسى، ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ كان الحسين جالساً في حِجر النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم‏.‏

فقال جبريل‏:‏ أتحبَّه ‏؟‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏وكيف لا أحبّه وهو ثمرة فؤادي‏؟‏‏)‏‏)‏

فقال‏:‏ أما إنَّ أمَّتك ستقتله ألا أريك من موضع قبره‏؟‏ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/258‏)‏

ثمَّ قال البزَّار‏:‏ لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، والحسين بن عيسى قد حدَّث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمها عند غيره‏.‏

قلت‏:‏ هو الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفيّ أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ أخو سليم القاريّ‏.‏

قال البخاري‏:‏ مجهول - يعني‏:‏ مجهول الحال - وإلا فقد روى عنه سبعة نفر‏.‏

وقال أبو زرعة‏:‏ منكر الحديث‏.‏

وقال أبو حاتم‏:‏ ليس بالقويّ روي عن الحاكم بن أبان أحاديث منكرة، وذكره ابن حبَّان في الثِّقات‏.‏

وقال ابن عدي‏:‏ قليل الحديث وعامة حديثه غرائب وفي بعض أحاديثه منكرات‏.‏

وروى البيهقيّ عن الحكم وغيره، عن أبي الأحوص، عن محمد بن الهيثم القاضي، ثنا محمد بن مصعب، ثنا الأوزاعيّ، عن أبي عمَّار شدَّاد بن عبد الله، عن أم الفضل بنت الحارث أنَّها دخلت على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم فقالت‏:‏ يا رسول الله إني رأيت حلماً منكراً اللَّيلة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏وما هو‏؟‏‏)‏‏)‏

قالت‏:‏ رأيت كأنَّ قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏رأيت خيراً تلك فاطمة إن شاء الله تلد غلاماً فيكون في حجرك‏)‏‏)‏ فولدت فاطمة الحسين، فكان في حجري كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فوضعته في حجره ثمَّ حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تهريقان الدُّموع، قالت‏:‏ قلت‏:‏ يا نبيَّ الله بأبي أنت وأمي مالك ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أنَّ أمَّتي ستقتل ابني هذا‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ هذا ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم وأتاني بتربة من ترتبه حمراء‏)‏‏)‏‏.‏

وقد روى الإمام أحمد عن عفَّان، عن وهيب، عن أيوب، عن صالح أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت‏:‏ أتيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقلت‏:‏ إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضواً من أعضائك ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فتكفلينه‏)‏‏)‏ فولدت له فاطمة حسيناً فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم، فأتيت به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً أزوره فأخذه فوضعه على صدره فبال فأصاب البول إزاره، فزخخت بيدي على كتفيه‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أوجعت ابني - أصلحك الله -‏)‏‏)‏ أو قال‏:‏ ‏(‏‏(‏رحمك الله‏)‏‏)‏‏.‏

فقلت‏:‏ أعطني إزارك أغسله‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّما يغسل بول الجارية ويصبُّ على بول الغلام‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه أحمد أيضاً عن يحيى بن بكير، عن إسرائيل، عن سماك، عن قابوس بن مخارق، عن أم الفضل فذكر مثله سواء وليس فيه الإخبار بقتله فالله أعلم‏.‏

وقال الأمام أحمد‏:‏ حدَّثنا عفَّان، ثنا حماد، أنَّا عمار ابن أبي عمارة عن ابن عبَّاس قال‏:‏ رأيت النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يرى النَّائم بنصف النَّهار وهو قائل أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم رضي الله عنه‏.‏

قال قتادة‏:‏ قتل الحسين يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف الشَّهر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/259‏)‏

وهكذا قال اللَّيث وأبو بكر ابن عيَّاش الواقديّ والخليفة بن خياط وأبو معشر وغير واحد‏:‏ إنَّه قتل يوم عاشوراء عام إحدى وستين، وزعم بعضهم أنَّه قتل يوم السَّبت والأوَّل أصحّ‏.‏

وقد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت من كسوف الشَّمس يومئذ وهو ضعيف، وتغيير آفاق السَّماء ولم ينقلب حجر إلا وجد تحته دم، ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس، وأن الورس استحال رماداً، وأنَّ اللَّحم صار مثل العلقم، وكان فيه النَّار إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة وفي بعضها احتمال والله أعلم‏.‏

وقد مات رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو سيد ولد آدم في الدُّنيا والآخرة ولم يقع شيء من هذه الأشياء، وكذلك الصِّديق بعده مات ولم يكن شيء من هذا، وكذا عمر بن الخطَّاب قتل شهيداً وهو قائم يصلِّي في المحراب صلاة الفجر، وحصر عثمان في داره وقتل بعد ذلك شهيداً، وقتل علي ابن أبي طالب شهيداً بعد صلاة الفجر ولم يكن شيء من هذه الأشياء والله أعلم‏.‏

وقد روى حماد بن سلمة عن عمَّار بن أبي عمارة، عن أم سلمة أنها سمعت الجنَّ تنوح على الحسين بن علي وهذا صحيح‏.‏

وقال شهر بن حوشب‏:‏ كنَّا عند أم سلمة فجاءها الخبر بقتل الحسين فخرت مغشياً عليها، وكان سبب قتل الحسين أنَّه كتب إليه أهل العراق يطلبون منه أن يقدم إليهم ليبايعوه بالخلافة وكثر تواتر الكتب عليه من العامَّة ومن ابن عمه مسلم بن عقيل، فلمَّا ظهر على ذلك عبيد الله بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية فبعث إلى مسلم بن عقيل يضرب عنقه ورماه من القصر إلى العامَّة فتفرَّق ملؤهم وتبدَّدت كلمتهم، هذا وقد تجهَّز الحسين من الحجاز إلى العراق ولم يشعر بما وقع فتحتمَّل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريباً من ثلاثمائة وقد نهاه عن ذلك جماعة من الصَّحابة منهم أبو سعيد وجابر، وابن عبَّاس، وابن عمر فلم يطعهم، وما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك واستدل له على أنَّه لا يقع ما يريده فلم يقبل‏.‏

فروى الحافظ البيهقيّ من حديث يحيى بن سالم الأسدي، ورواه أبو داود الطَّيالسيّ في مسنده عنه قال‏:‏ سمعت الشِّعبيّ يقول‏:‏ كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أنَّ الحسين بن علي قد توجَّه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة قال‏:‏ أين تريد ‏؟‏

قال‏:‏ العراق - ومعه طوامير وكتب -‏.‏

فقال‏:‏ لا تأتهم‏.‏

فقال‏:‏ هذه كتبهم وبيعتهم‏.‏

فقال‏:‏ إن الله خير نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم بين الدُّنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدُّنيا وإنَّكم بضعة من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والله لا يليها أحد منكم أبداً وما صرفها عنكم إلى الذي هو خير منكم، فارجعوا‏.‏

فأبى وقال‏:‏ هذه كتبهم وبيعتهم‏.‏

قال‏:‏ فاعتنقه ابن عمر وقال‏:‏ أستودعك الله من قتيل‏.‏

وقد وقع ما فهمه عبد الله بن عمر من ذلك سواء من أنَّه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الإستقلال ويتم له الأمر‏.‏

وقد قال ذلك‏:‏ عثمان بن عفَّان، وعلي ابن أبي طالب، إنَّه لا يلي أحد من أهل البيت أبداً‏.‏

ورواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشَّيخ في كتابه ‏(‏الفتن والملاحم‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/260‏)‏

قلت‏:‏ وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالدِّيار المصرية فإنَّ أكثر العلماء على أنهم أدعياء، وعلي ابن أبي طالب ليس من أهل البيت ومع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثَّلاثة قبله، ولا اتسعت يده في البلاد كلِّها ثمَّ تنكدت عليه الأمور، وأما ابنه الحسن رضي الله عنه فإنَّه لما جاء في جيوشه وتصافى هو وأهل الشَّام ورأى أن المصلحة في ترك الخلافة تركها لله عزَّ وجل، وصيانة لدماء المسلمين أثابه الله رضي الله عنه وأمَّا الحسين رضي الله عنه فإنَّ ابن عمر لمَّا أشار عليه بترك الذَّهاب إلى العراق وخالفه، اعتنقه مودعاً وقال‏:‏ أستودعك الله من قتيل، وقد وقع ما تفرَّسه ابن عمر، فإنَّه لمَّا استقل ذاهباً بعث إليه عبيد الله بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدَّمهم عمرو بن سعد ابن أبي وقَّاص، وذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه، فالتقوا بمكان يقال له‏:‏ كربلاء بالطف، فالتجأ الحسين ابن علي وأصحابه إلى مقصبة هنالك وجعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث‏:‏ إمَّا أن يدعوه يرجع من حيث جاء، وإمَّا أن يذهب إلى ثغر من الثُّغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده فيحكم فيه بما شاء، فأبوا عليه واحدة منهنَّ، وقالوا‏:‏ لا بدَّ من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبداً، وقاتلهم دون ذلك فقتلوه رحمه الله وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضعوه بين يديه، فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه وعنده أنس بن مالك جالس، فقال له‏:‏ يا هذا إرفع قضيبك قد طال ما رأيت رسول الله يقبِّل هذه الثَّنايا‏.‏

ثمَّ أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشَّام إلى يزيد بن معاوية، ويقال‏:‏ أنَّه بعث معهم بالرَّأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم‏:‏

نَفلق هاماً من رِجال أعزَّةٍ * عَلَينَا وَهُمْ كانوا أَعقَّ وأظلمَا

ثمَّ أمر بتجهيزهم إلى المدينة النَّبوية، فلمَّا دخلوها تلقَّتهم امرأة من بنات عبد المطَّلب ناثرة شعرها، واضعة كفَّها على رأسها تبكي وهي تقول‏:‏

مَاذا تَقولونَ إنْ قَالَ النَّبيُّ لكمْ * مَاذا فعلتُمْ وأنْتُمْ آخِرَ الأُمَمِ

بِعترتي وَبأهلِي بعدَ مُفتقدِي * مِنهُمْ أسَارَى وقتلَى ضُرِّجوا بدمِ

ما كانَ هَذا جزائي إذْ نَصَحْتُ لكم * أنْ تخلفوني بِشَرٍ في ذَوي رَحمِي

وسنورد هذا مفصلاً في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله، وبه الثِّقة وعليه التُّكلان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/261‏)‏

وقد رثاه النَّاس بمراث كثيرة ومن أحسن ذلك ما أورده الحاكم أبو عبد الله النّيسابوريّ - وكان فيه تشيع -‏:‏

جاءُوا برأسِكَ يا ابنَ بنتِ محمَّدٍ * مُتَزَمِّلاً بِدِمائهِ تَزميلا

فَكأنَّما بِكَ يا ابن بنتِ محمَّدِ * قَتَلُوا جَهَاراً عامدينَ رَسُولا

قتَلوكَ عَطْشاناً ولمْ يَتَرقَّبُوا * في قَتْلِكَ التنزيلَ والتَّأويلا

ويُكبِّرونَ بأنْ قتلتَ وإنَّما * قَتَلُوا بكَ التَّكبيرَ والتَّهليلا

 ذكر الإخبار عن وقعة الحرَّة التي كانت في زمن يزيد أيضاً‏:‏

قال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدَّثني إبراهيم بن المنذر، حدَّثني ابن فليح عن أبيه، عن أيُّوب بن عبد الرَّحمن، عن أيُّوب بن بشير المعافريّ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرج في سفر من أسفاره فلمَّا مرَّ بحرَّة زُهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه وظنُّوا أنَّ ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطَّاب‏:‏ يا رسول الله ما الذي رأيت ‏؟‏

فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏أما إنَّ ذلك ليس من سفركم هذا‏)‏‏)‏‏.‏

قالوا‏:‏ فما هو يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يقتل بهذه الحرَّة خيار أمتي بعد أصحابي‏)‏‏)‏ هذا مرسل‏.‏

وقد قال يعقوب بن سفيان‏:‏ قال وهب بن جرير‏:‏ قالت جويرية‏:‏ حدَّثني ثور بن زيد عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال‏:‏ جاء تأويل هذه الآية على رأس ستِّين سنة ‏{‏وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 14‏]‏‏.‏

قال‏:‏ لأعطوها يعني‏:‏ إدخال بني حارثة أهل الشَّام على أهل المدينة وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبَّاس، وتفسير الصَّحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء‏.‏

وقال نعيم بن حماد في كتاب ‏(‏الفتن والملاحم‏)‏‏:‏ حدَّثنا أبو عبد الصَّمد العمي، ثنا أبو عمران الجوني عن عبد الله بن الصَّامت، عن أبي ذر قال‏:‏ قال لي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أبا ذر أرأيت إن النَّاس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدِّماء كيف أنت صانع‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تدخل بيتك‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ فإن أتى عليَّ ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يأتي من أنت منه‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ وأحمل السِّلاح ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذاً تشرك معهم‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ فكيف أصنع يا رسول الله ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إن خفت أن يبهرك شعاع السَّيف فألق طائفة من ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه‏)‏‏)‏‏.‏

ورواه الأمام أحمد في مسنده عن مرحوم - هو ابن عبد العزيز - عن أبي عمران الجونيّ، فذكره مطولاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/262‏)‏

قلت‏:‏ وكان سبب وقعة الحرَّة أنَّ وفداً من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فأكرمهم وأحسن جائزتهم وأطلق لأميرهم - وهو عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر - قريباً من مائة ألف، فلمَّا رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها ترك الصَّلاة عن وقتها بسبب السِّكر، فاجتمعوا على خلعه فخلعوه عند المنبر النَّبوي فلمَّا بلغه ذلك بعث إليهم سرية يقدمها رجل يقال له‏:‏ مسلم بن عقبة، وإنَّما يسميه السَّلف مسرف بن عقبة، فلمَّا ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام فقتل في غضون هذه الأيام بشراً كثيراً حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها، وزعم بعض علماء السَّلف أنَّه قتل في غضون ذلك ألف بكر فالله أعلم‏.‏

وقال عبد الله بن وهب‏:‏ عن الإمام مالك، قتل يوم الحرَّة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنَّه قال‏:‏ وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وذلك في خلافة يزيد‏.‏

وقال يعقوب ابن سفيان‏:‏ سمعت سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري يقول‏:‏ قتل يوم الحرَّة عبد الله بن يزيد المازنيّ، ومعقل بن سنان الأشجعيّ، ومعاذ بن الحارث القاريّ، وقتل عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر‏.‏

قال يعقوب‏:‏ وحدَّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن اللَّيث قال‏:‏ وكانت وقعة الحرَّة يوم الأربعاء لثلاث بقين من الحجة سنة ثلاث وستين‏.‏

ثمَّ انبعث مسرف بن عقبة إلى مكة قاصداً عبد الله بن الزُّبير ليقتله بها لأنَّه فرَّ من بيعة يزيد، فمات يزيد بن معاوية في غضون ذلك واستفحل أمر عبد الله بن الزُّبير في الخلافة بالحجاز، ثمَّ أخذ العراق ومصر، وبويع بعد يزيد لابنه معاوية بن يزيد وكان رجلاً صالحاً، فلم تطل مدته مكث أربعين يوماً، وقيل‏:‏ عشرين يوماً، ثمَّ مات رحمه الله فوثب مروان بن الحكم على الشَّام فأخذها فبقي تسعة أشهر ثمَّ مات، وقام بعده ابنه عبد الملك فنازعه فيها عمرو بن سعيد بن الأشدق وكان نائباً على المدينة من زمن معاوية وأيَّام يزيد ومروان، فلمَّا هلك مروان زعم أنَّه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك فضاق به ذرعاً، ولم يزل به حتى أخذه بعد ما استفحل أمره بدمشق فقتله في سنة تسع وستين ويقال‏:‏ في سنة سبعين، واستمرت أيَّام عبد الملك حتى ظفر بابن الزُّبير سنة ثلاث وسبعين قتله الحجَّاج بن يوسف الثَّقفيّ عن أمره بمكة بعد محاصرة طويلة اقتضت أن نصب المنجنيق على الكعبة من أجل أن ابن الزبير لجأ إلى الحرم، فلم يزل به حتى قتله، ثمَّ عهد في الأمر إلى بنيه الأربعة بعده الوليد، ثمَّ سليمان، ثمَّ يزيد، ثمَّ هشام بن عبد الملك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/263‏)‏

وقد قال الأمام أحمد‏:‏ حدَّثنا أسود ويحيى ابن أبي بكير، ثنا كامل أبو العلاء سمعت أبا صالح - وهو مولى ضباعة المؤذن واسمه مينا - قال‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏تعوذوا بالله من رأس السَّبعين وإمارة الصِّبيان‏)‏‏)‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تذهب الدُّنيا حتَّى يظهر اللَّكع ابن لكع‏)‏‏)‏‏.‏

وقال الأسود‏:‏ يعني‏:‏ اللَّئيم ابن اللَّئيم‏.‏

وقد روى التّرمذيّ من حديث أبي كامل عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏عمر أمتي من ستِّين سنة إلى سبعين سنة‏)‏‏)‏‏.‏

ثمَّ قال‏:‏ حسن غريب‏.‏

وقد روى الإمام أحمد عن عفَّان وعبد الصَّمد، عن حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، حدَّثني من سمع أبا هريرة يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لينعقنَّ‏)‏‏)‏‏.‏

وقال عبد الصَّمد في روايته‏:‏ ‏(‏‏(‏ليزعقنَّ جبَّار من جبابرة بني أمية على منبري هذا‏)‏‏)‏‏.‏

زاد عبد الصَّمد‏:‏ ‏(‏‏(‏حتى يسيل رعافه‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فحدَّثني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص يرعف على منبر النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى سال رعافه‏.‏

قلت‏:‏ علي بن يزيد بن جدعان في روايته غرابة ونكارة وفيه تشيُّع، وعمرو بن سعيد هذا يقال له‏:‏ الأشدق كان من سادات المسلمين وأشرافهم في الدُّنيا لا في الدِّين‏.‏

وروى عن جماعة من الصَّحابة منهم في صحيح مسلم عن عثمان في فصل الطَّهور، وكان نائباً على المدينة لمعاوية ولابنه يزيد بعده، ثمَّ استفحل أمره حتى كان يصاول عبد الملك بن مروان، ثمَّ خدعه عبد الملك حتى ظفر به فقتله في سنة تسع وستين أو سنة سبعين فالله أعلم‏.‏

وقد روى عنه من المكارم أشياء كثيرة من أحسنها أنَّه لما حضرته الوفاة قال لبنيه وكانوا ثلاثة عمرو هذا وأمية وموسى، فقال لهم‏:‏ من يتحمل ما علي ‏؟‏

فبدر ابنه عمرو هذا وقال‏:‏ أنا يا أبة وما عليك ‏؟‏

قال‏:‏ ثلاثون ألف دينار‏.‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ وأخواتك لا تزوجهنَّ إلا بالأكفَّاء ولو أكلن خبز الشَّعير‏.‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ وأصحابي من بعدي إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفي‏.‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ أما لئن قلت ذلك فلقد كنت أعرفه من حماليق وجهك وأنت في مهدك‏.‏

وقد ذكر البيهقيّ من طريق عبد الله بن صالح - كاتب اللَّيث - عن حرملة بن عمران، عن أبيه، عن يزيد ابن أبي حبيب أنَّه سمعه يحدِّث عن محمد بن يزيد ابن أبي زياد الثَّقفيّ، قال‏:‏ اصطحب قيس ابن خَرَشَة وكعب حتى إذا بلغا صفِّين وقف كعب الأحبار فذكر كلامه فيما يقع هناك من سفك دماء المسلمين، وأنَّه يجد ذلك في التَّوراة‏.‏

وذكر عن قيس بن خرشة أنَّه بايع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أن يقول الحق، وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا قيس بن خرشة عسى إن عذَّبك الدَّهر حتى يكبك بعدي من لا يستطيع أن تقول بالحق معهم‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ والله لا أبايعك على شيء إلا وفَّيت لك‏.‏

فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏إذاً لا يضرَّك بشر‏)‏‏)‏‏.‏

فبلغ قيس إلى أيَّام عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان فنقم عليه عبيد الله في شيء فأحضره، فقال‏:‏ أنت الذي زعم أنَّه لا يضرك بَشَر ‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ لتعلمنَّ اليوم أنَّك قد كذبت ائتوني بصاحب العذاب‏.‏

قال‏:‏ فمال قيس عند ذلك فمات‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/264‏)‏

معجزة أخرى‏:‏

روى البيهقيّ من طريق الدَّراورديّ عن ثور بن يزيد، عن موسى بن ميسرة أنَّ بعض بني عبد الله سايره في بعض طريق مكة، قال‏:‏ حدَّثني العبَّاس بن عبد المطَّلب أنَّه بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حاجة فوجد عنده رجلاً فرجع ولم يكلِّمه من أجل مكان الرَّجل، فلقي العبَّاس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأخبره بذلك، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ورآه‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتدري من ذلك الرَّجل‏؟‏ ذاك جبريل ولن يموت حتى يذهب بصره، ويؤتى علماً‏)‏‏)‏‏.‏

وقد مات ابن عبَّاس سنة ثمان وستين بعد ما عمي رضي الله عنه‏.‏

وروى البيهقيّ من حديث المعتمر بن سليمان حدَّثتنا سيابة بنت يزيد عن خمارة، عن أنيسة بنت زيد بن أرقم، عن أبيها أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دخل على زيد يعوده في مرض كان به‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ليس عليك من مرضك بأس ولكن كيف بك إذا عمَّرت بعدي فعميت‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ إذاً أحتسب وأصبر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذاً تدخل الجنَّة بغير حساب‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فعمي بعد ما مات رسول الله ثمَّ ردَّ الله عليه بصره ثمَّ مات‏.‏

 فصل حديث‏:‏ إن بين يدي السَّاعة ثلاثين كذاباً دجالاً‏.‏

وثبت في الصَّحيحين عن أبي هريرة وعند مسلم عن جابر بن سمرة، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ بين يدي السَّاعة ثلاثين كذاباً دجَّالاً كلّهم يزعم أنَّه نبيّ‏)‏‏)‏‏.‏

وقال البيهقيّ‏:‏ عن المالينيّ، عن أبي عدي، عن أبي يعلى الموصليّ، حدَّثنا عثمان ابن أبي شيبة، ثنا محمد بن الحسن الأسديّ، ثنا شريك عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن الزُّبير قال‏:‏ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تقوم السَّاعة حتَّى يخرج ثلاثون كذاباً منهم‏:‏ مسيلمة، والعنسي، والمختار، وشرُّ قبائل العرب بنو أمية وبنو حنيفة، وثقيف‏)‏‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/265‏)‏

قال ابن عديّ‏:‏ محمد بن الحسن له إفرادات وقد حدَّث عنه الثِّقات ولم أر بتحديثه بأساً‏.‏

وقال البيهقيّ‏:‏ لحديثه في المختار شواهد صحيحه‏.‏

ثمَّ أورد من طريق أبي داود الطَّيالسيّ حدَّثنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل، عن أبي عقرب، عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت للحجَّاج بن يوسف‏:‏ أما إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حدَّثنا أنَّ في ثقيف كذاباً ومبيراً فأمَّا الكذَّاب فقد رأيناه وأمَّا المبير فلا أخالك إلا إيَّاه‏.‏

قال‏:‏ ورواه مسلم من حديث الأسود بن شيبان وله طرق عن أسماء وألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه‏.‏

وقال البيهقيّ‏:‏ أنَّا الحاكم وأبو سعيد عن الأصمّ، عن عبَّاس الدَّراورديّ، عن عبيد الله بن الزُّبير الحميديّ، ثنا سفيان بن عيينة عن أبي المحيا، عن أمِّه قالت‏:‏ لمَّا قتل الحجَّاج عبد الله بن الزُّبير دخل الحجَّاج على أسماء بنت أبي بكر، فقال‏:‏ يا أمَّه إنَّ أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة ‏؟‏

فقالت‏:‏ لست لك بأم ولكنِّي أم المصلوب على رأس الثنية، وما لي من حاجة ولكن انتظر حتى أحدِّثك ما سمعت من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏يخرج من ثقيف كذَّاب ومبير‏)‏‏)‏ فأما الكذَّاب فقد رأيناه، وأمَّا المبير فأنت‏.‏

فقال الحجَّاج‏:‏ مبير المنافقين‏.‏

وقال أبو داود الطَّيالسيّ‏:‏ حدَّثنا شريك عن أبي علوان عبد الله بن عصمة، عن ابن عمر قال‏:‏ سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنَّ في ثقيف كذَّاباً ومبيراً‏)‏‏)‏‏.‏

وقد تواتر خبر المختار ابن أبي عبيد الكذَّاب الذي كان نائباً على العراق وكان يزعم أنَّه نبيّ، وأنَّ جبريل كان يأتيه بالوحي‏.‏

وقد قيل لابن عمر - وكان زوج أخت المختار وصفيه -‏:‏ إنَّ المختار يزعم أنَّ الوحي يأتيه‏.‏

قال‏:‏ صدق قال الله تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏وإنَّ الشَّياطين ليوحون إلى أوليائهم‏)‏‏)‏‏.‏

وقال أبو داود الطَّيالسيّ‏:‏ ثنا قرة بن خالد عن عبد الملك بن عمير، عن رفاعة بن شدَّاد قال‏:‏ كنت ألصق شيء بالمختار الكذَّاب، قال‏:‏ فدخلت عليه ذات يوم فقال‏:‏ دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسيّ‏.‏

قال‏:‏ فأهويت إلى قائم السَّيف لأضربه حتَّى ذكرت حديثاً حدَّثنيه عمرو بن الحمق الخزاعيّ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا أمن الرَّجل الرَّجل على دمه ثمَّ قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة‏)‏‏)‏ فكففت عنه‏.‏

وقد رواه أسباط بن نصر وزائدة والثوريّ عن إسماعيل السديّ، عن رفاعة بن شداد القِتبانيّ فذكر نحوه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/266‏)‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ ثنا أبو بكر الحميدي، ثنا سفيان بن عيينة عن مجالد، عن الشِّعبيّ قال‏:‏ فأخَّرت أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة، والأحنف ساكت لا يتكلم فلمَّا رآني غلبتهم أرسل غلاماً له، فجاء بكتاب فقال‏:‏ هاك إقرأ‏.‏

فقرأته فإذا فيه من المختار لله يذكر أنَّه نبي‏.‏

يقول الأحنف‏:‏ أنى فينا مثل هذا‏.‏

وأما الحجَّاج بن يوسف فقد تقدَّم الحديث أنَّه الغلام المبير الثقفيّ وسنذكر ترجمته إذا انتهينا إلى أيَّامه فإنَّه كان نائباً على العراق لعبد الملك بن مروان ثمَّ لابنه الوليد بن عبد الملك وكان من جبابرة الملوك على ما كان فيه من الكرم والفصاحة على ما سنذكره‏.‏

وقد قال البيهقيّ‏:‏ ثنا الحاكم عن أبي نضر الفقيه، ثنا عثمان بن سعيد الدَّارميّ أنَّ معاوية بن صالح حدَّثه عن شريح بن عبيد، عن أبي عذبة قال‏:‏ جاء رجل إلى عمر بن الخطَّاب فأخبره أنَّ أهل العراق قد حصَّبوا أميرهم فخرج غضبان فصلَّى لنا الصَّلاة فسها فيها حتى جعل النَّاس يقولون‏:‏ سبحان الله، سبحان الله، فلمَّا سلَّم أقبل على النَّاس فقال‏:‏ من ههنا من أهل الشَّام، فقام رجل ثمَّ قام آخر ثمَّ قمت أنا ثالثاً أو رابعاً، فقال‏:‏ يا أهل الشَّام استعدوا لأهل العراق فإنَّ الشَّيطان قد باض فيهم وفرَّخ اللَّهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم بالغلام الثقفيّ يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم‏.‏

قال عبد الله‏:‏ وحدَّثني ابن لهيعة بمثله‏.‏

قال‏:‏ وولد الحجَّاج يومئذ‏.‏

ورواه الدَّارميّ أيضاً عن أبي اليمان، عن جرير بن عثمان، عن عبد الرَّحمن بن ميسرة، عن أبي عذبة الحمصيّ، عن عمر فذكر مثله‏.‏

قال أبو اليمان‏:‏ علم عمر أنَّ الحجَّاج خارج لا محالة فلمَّا أغضبوه استعجل لهم العقوبة‏.‏

قلت‏:‏ فإن كان هذا نقله عمر عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لقد تقدَّم له شاهد عن غيره وإن كان عن تحديث فكرامة الولي معجزة لنبيه‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنَّا جعفر - يعني‏:‏ ابن سليمان - عن مالك بن دينار، عن الحسن قال‏:‏ قال علي لأهل الكوفة‏:‏ اللَّهم كما ائتمنتهم فخانوني ونصحت لهم فغشُّوني، فسلِّط عليهم فتى ثقيف الذبَّال الميَّال يأكل خضرتها ويلبس فروتها ويحكم فيهم بحكم الجاهلية‏.‏

قال‏:‏ فتوفي الحسن وما خلق الله الحجَّاج يومئذ وهذا منقطع‏.‏

وقد رواه البيهقيّ أيضاً من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه، عن أيُّوب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن علي ابن أبي طالب أنَّه قال‏:‏ الشَّاب الذبَّال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق ويكثر منه الأرق ويسلطه الله على شيعته‏.‏

وله من حديث يزيد بن هارون أنَّا العوان بن حوشب، حدَّثني حبيب ابن أبي ثابت قال‏:‏ قال علي‏:‏ لا متَّ حتى تدرك فتى ثقيف‏.‏

فقيل‏:‏ يا أمير المؤمنين وما فتى ثقيف ‏؟‏

فقال‏:‏ ليقالنَّ له يوم القيامة‏:‏ اكفنا زاوية من زوايا جهنم رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يفتن بمن أطاعه من عصاه وهذا معضل وفي صحَّته عن علي نظر والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏6/267‏)‏

وقال البيهقيّ‏:‏ عن الحاكم، عن الحسين بن الحسن بن أيُّوب، عن أبي حاتم الرَّازيّ، عن عبد الله بن يوسف الثنيني، ثنا هشام بن يحيى الغسانيّ قال‏:‏ قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئناهم بالحجَّاج لغلبناهم‏.‏

وقال أبو بكر ابن عياش‏:‏ عن عاصم بن النجود ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ عن معمر، عن ابن طاوس أنَّ أباه لمَّا تحقَّق موت الحجَّاج تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 45‏]‏‏.‏

قلت‏:‏ وقد توفي الحجَّاج سنة خمس وتسعين‏.‏